كان العيد يبدأ قبل يومه، حين تمتلئ الساحات بانتظارٍ خفيف، وتكبر في عيون الأطفال حكايةٌ اسمها الفرح.. لكن ماذا عن أطفالٍ لم يعد الكبش يمرّ من بيوتهم منذ أكثر من عامين؟ ماذا عن أولئك الذين صار العيد عندهم يمرّ خفيفا كظلٍّ بلا صوت؟
في فلسطين، لم تعد الحكاية كما كانت. لم يعد هناك حوشٌ يُربط فيه الكبش، ولا ضحكاتٌ تقترب منه بحذرٍ ودهشة. صار المكان أضيق من أن يحتمل طقسا، وأثقل من أن يحتمل فرحا كاملا.
كان الأطفال في زمنٍ قريب، يقفون على حافة المشهد، بعضهم يُغمض عينيه خوفا، وبعضهم يفتحهما ليفهم. اليوم، لم يعد لديهم الآن ما يُغمضون أعينهم عنه، ولا ما يفتحونها عليه. غاب الكبش، وغابت معه تلك اللحظة التي يتعلّم فيها الطفل كيف يختلط الفرح بالحزن دون أن ينكسر.
كانت الأمهات بعد الذبح، يشعرن بشيءٍ من الطمأنينة، كأن البيت صار محميّا من الأذى، وكأن أبناءهن صاروا في دائرةٍ أضيق من الخوف. اليوم تغيّر الإحساس؛ فلم تعد الطمأنينة تأتي بسهولة، ولا تكفيها طقوسٌ قديمة لتُقيم في القلب.
وكان المساء، حين يجتمع الآباء والأعمام لتقسيم اللحم، يشبه درسا في العدالة والكرم.. حصةٌ لأهل البيت، وأخرى للأقارب، وثالثةٌ للجيران، ورابعةٌ للفقراء والمساكين. كان العيد ينتشر من بيتٍ إلى بيت، ولا أحد يُترك وحيدا.
اليوم، في كثيرٍ من البيوت، لا شيء يُقسَّم إلا القلق، ولا شيء يُوزَّع إلا الانتظار.
أطفال فلسطين لا يفتقدون الكبش فقط، بل يفتقدون تلك اللغة البسيطة التي كانت تعلّمهم الحياة.. أن الفرح يمكن أن يُلمس، وأن العيد بابٌ يُفتح للجميع.
ومع ذلك، يبقى فيهم شيءٌ لا يُذبح ولا يُغيَّب.. وهي ذاكرةٌ صغيرة تحفظ شكل العيد كما كان، وتنتظر بصبرٍ لا يشبه أعمارهم، أن يعود الصوت.. صوت الحياة.






