أكد الأستاذ الدكتور بهون علي سعيد في تصريحه لـ«الشعب” أن ثقافة الطفل لم تعد اليوم مجرد جانب تربوي ثانوي، بل أصبحت ركيزة أساسية في بناء المجتمع المعرفي، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي غيرت طبيعة علاقة الطفل بالعالم والمعرفة.
أوضح الدكتور بهون علي أن الدراسات الحديثة في علوم الطفولة والتنمية المعرفية تشير إلى أن الطفل المعاصر يعيش داخل بيئة هجينة تجمع بين الواقع المادي والفضاء الرقمي، حيث أصبحت المنصات الرقمية والألعاب التفاعلية والخوارزميات تؤثر بشكل مباشر في تشكيل اللغة والخيال والقيم وأنماط التفكير، وأحيانًا بدرجة تفوق تأثير المدرسة والأسرة.
وأشار المتحدث، إلى أن الاستثمار الحقيقي في ثقافة الطفل يقتضي الانتقال من نموذج “التلقين الثقافي” إلى نموذج “التمكين الثقافي النقدي”، الذي يقوم على تنمية التفكير النقدي والفضول المعرفي وقدرة الطفل على التحليل والاختيار الواعي للمحتوى الذي يستهلكه.
كما أوضح أن البحوث الحديثة تؤكد أن البيئات التعليمية التفاعلية القائمة على تنمية المهارات المعرفية وما وراء المعرفية تُسهم في بناء شخصية مستقلة وقادرة على التعلم العميق.
وفي حديثه عن التحوّلات الرقمية، صرّح الأستاذ الدكتور بهون بأن المرحلة الحالية تفرض ضرورة الاستثمار في إنتاج محتوى ثقافي محلي عالي الجودة يجمع بين الجاذبية البصرية والعمق القيمي، بالنظر إلى أن الطفل الرقمي أصبح أكثر تفاعلا مع السرد التفاعلي والوسائط المتعددة مقارنة بالمحتوى التقليدي.
وأضاف أن الاهتمام بثقافة الطفل لا يجب أن يقتصر على الحماية من مخاطر التكنولوجيا، بل ينبغي أن يشمل بناء “الكفاية الرقمية الثقافية”، أي تمكين الطفل من فهم البيئة الرقمية وآليات تأثيرها وكيفية التعامل الواعي معها.
وفي السياق ذاته، أشار إلى أن الدراسات العربية الحديثة تؤكد أن الإعلام الرقمي أصبح فاعلا أساسيا في تشكيل ثقافة الطفل، وإعادة صياغة تصوراته للهوية والانتماء والمعرفة، موضحا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود التكنولوجيا بحد ذاتها، وإنما في طبيعة الوساطة التربوية والثقافية المصاحبة لها. وأكد أن المقاربة الأكثر فعالية لم تعد تقوم على المنع الكامل للتكنولوجيا، بل على بناء ما وصفه بـ«المناعة الثقافية الرقمية”، من خلال تعليم الطفل مهارات التحليل والتمييز واكتشاف التضليل الإعلامي وفهم الخوارزميات بدل استهلاك المحتوى بشكل سلبي.
كما أبرز الأستاذ الدكتور بهون، الإمكانات التربوية الكبيرة التي توفرها التكنولوجيا الحديثة إذا تمّ توظيفها بطريقة صحيحة، مشيرا إلى إمكانية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والمنصات التفاعلية والألعاب التعليمية والقصص الرقمية والواقع المعزز، في تعزيز القراءة وتنمية الإبداع وربط الطفل بلغته وتاريخه وتراثه بطريقة أكثر جاذبية وفعالية.
وفي المقابل، حذّر المتحدث من مخاطر “الاستلاب الثقافي الرقمي” الناتج عن الاستهلاك المكثف للمحتوى الأجنبي وضعف الإنتاج المحلي الموجه للأطفال، موضحا أن بعض الدراسات الجزائرية تشير إلى أن الاستخدام المكثف للإعلام الرقمي قد يؤثر على تمثلات الهوية الثقافية لدى الأجيال الصاعدة، وقد يؤدي إلى تآكل بعض المرجعيات القيمية واللغوية في غياب التربية النقدية والمحتوى المحلي الجاذب.
وأكد الأستاذ الدكتور، أن بناء جيل واع ومسؤول يمرّ عبر تأسيس نموذج تربوي جديد يرتكز على خمسة عناصر أساسية، تتمثل في تنمية التفكير النقدي، وتعزيز التربية الإعلامية، وإنتاج محتوى ثقافي وطني منافس، وتقوية دور الأسرة كوسيط رقمي، وربط التكنولوجيا بالمعنى والقيم بدل حصرها في الترفيه والاستهلاك فقط. كما أشار إلى أن البحوث الحديثة تحذر من الانعكاسات السلبية للمحتوى الرقمي العنيف أو السطحي على البناء القيمي والسلوكي للأطفال.
وفي تقييمه لواقع ثقافة الطفل في الجزائر، أوضح الدكتور بهون أن السنوات الأخيرة شهدت تناميا نسبيا في الوعي بأهمية هذا المجال، خاصة مع تصاعد التحديات الرقمية والتحولات القيمية المرتبطة بالعولمة الإعلامية.
وأضاف أن عدة جهود ظهرت عبر قطاعات الثقافة والتربية والإعلام وبعض المبادرات المدنية، سواء من خلال دعم أدب الطفل والمسرح المدرسي وتشجيع القراءة أو عبر حملات التوعية بالاستخدام الآمن للإنترنت، وإحياء التراث الشعبي واللغوي لدى الأطفال.
كما أشار، إلى أن الدولة أطلقت دليلا وطنيا لحماية الأطفال على الإنترنت يركز على التوعية بالأمن الرقمي وتعزيز دور الأسرة والمربين في التوجيه الرقمي، غير أنه أكد أن الدراسات الجزائرية الحديثة ما تزال تسجّل محدودية التنسيق وضعف التقييم العلمي المستمر لهذه المبادرات.
وختم الأستاذ بهون علي سعيد بالتأكيد، أن التحدي الحقيقي في الجزائر لا يتعلق بغياب المبادرات فقط، بل بغياب سياسة وطنية متكاملة لصناعة ثقافة الطفل، تستجيب للتحولات الرقمية المتسارعة، موضحا أن حماية الهوية الثقافية لن تتحقق عبر الانغلاق أو الرقابة الصارمة، وإنما عبر إنتاج ثقافة حية وجاذبة قادرة على المنافسة داخل البيئة الرقمية العالمية.






