أكد الأكاديمي والناقد عبد الحميد هيمة أن أدب وثقافة الطفل تجردا من حصرهما التقليدي في الكتاب الورقي، ليدخلا عصر السيولة الرقمية التي تفرض تحديات وجودية على الهوية الثقافية، مضيفا أن الوسائط الالكترونية ليست عدوا للهوية كما يسوق لها البعض، بل لا بد أن تكون مكملا للكتاب، شريطة ترشيد استخداماتها بما يعود بالفائدة على التربية وخدمة الثقافة وتنمية قدرات الأجيال الصاعدة.
شدّد الأكاديمي هيمة في حديثه لـ«الشعب”، على أن الاستثمار في الوسائط الإلكترونية لم يعد هامشيا، بل ضرورة لحماية الأجيال القادمة من التحوّل إلى مجرد مستهلكين في عالم رقمي لا يعترف إلا بالمنتجين، داعيا في هذا الصدد إلى بناء منظومة معرفية وثقافية متكاملة لمواجهة التحديات الراهنة، مبرزا أهمية اشراك النخب الثقافية والتربوية في صياغة مشاريع مستقبلية تحافظ على الهوية الثقافية، وتواكب في الوقت ذاته التحولات التي يشهدها العالم في مجال التكنولوجيا والاتصال.
ويرى الأستاذ هيمة، أن مختلف الوسائل التكنولوجية اقتحمت حياة الطفل بقوة لما توفره من مؤثرات بصرية وسمعية تفوق جاذبية الكتاب، مضيفا أن هذا الانفجار المعلوماتي أدى إلى تشكيل “نمط ثقافي كوني جديد” وضع الحاسوب في المركز، مما أحدث تغييرا جذريا في المنظومات الثقافية والعلاقات الإنسانية، وهو ما يستوجب استثمار هذه التقنيات لتنمية قدرات الأطفال وجعلهم يواكبون عصرهم.
وفي هذا السياق، أبرز المتحدث أن التكنولوجيا الحديثة ساهمت في توسيع مدارك الأطفال ومواكبتهم للتطورات العلمية والثقافية المتسارعة، غير أنه حذّر في المقابل من مخاطر الاستعمال غير الموجه للإنترنت، معتبرا أن هذه الوسائط الرقمية تمثل “سلاحا ذا حدين”، لما قد تفرزه من تأثيرات سلبية على الهوية الثقافية والقيم التربوية داخل المجتمعات العربية.
وأشار الأستاذ إلى أن ثقافة الطفل في العصر الراهن أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بالثورة الرقمية وتطور تكنولوجيا الاتصال، ما يستدعي – مثلما قال – ضرورة استثمار هذه الوسائل الحديثة في خدمة التربية والثقافة، من خلال إنتاج محتويات رقمية هادفة تساهم في تنمية معارف الطفل وتعزيز ارتباطه بهويته الثقافية والوطنية.
كما شدّد على أن الكتاب الورقي ما يزال يحتفظ بدوره الأساسي في بناء الوعي وتشكيل شخصية الطفل، رغم التطوّر الكبير الذي يشهده مجال النشر الإلكتروني وثقافة الصورة، مؤكدا أن الوسائط الرقمية ينبغي أن تكون مكملة للكتاب لا بديلا عنه.
هيمة وفي سياق حديثه حذّر من هيمنة الإنترنت، قائلا “فبينما تفتح آفاق المعرفة، فإنها تشرع نوافذ المنازل لغرباء يعبثون بمستقبل الأبناء دون رادع، مشبها الأمر بترك باب البيت مفتوحا للغرباء، حيث تخلى المجتمع عن احتياطاته التقليدية أمام التدفق الرقمي، وأوضح أن المجتمعات العربية ما زالت “مستهلكة” لهذا المنتج الحضاري، ولم تنخرط بعد في البحث والدراسة لإنتاج ثقافة رقمية تعبر عن ذاتها”.
وحمّل الأستاذ هيمة النخب الثقافية مسؤولية كبرى في تقديم مشاريع تبلور أفكارا تصنع مستقبل الأجيال، مؤكدا أن مواجهة التحديات الثقافية تتطلب استثمار أدوات المعلوماتية لتثبيت دعائم الهوية الوطنية بوصفها ثقافة إنسانية عالمية، محذرا من البقاء على “هامش التاريخ” إذا لم يتمّ ربط الأجيال بجذورهم مع حمايتهم من التأثيرات السلبية للتكنولوجيا.
وفي قراءته للواقع الجزائري، أشار الأستاذ عبد الحميد هيمة إلى وجود جهود واضحة تبذلها وزارة الثقافة من خلال تنظيم الملتقيات، والمسابقات، وتشجيع كتابات الناشئة والفتيان، ومع ذلك، وصف هذه المبادرات بأنها “غير كافية”، خاصة في الشق المتعلق بالثقافة الإلكترونية.
ودعا هيمة إلى ضرورة إكساب الطفل الجزائري مهارات “الإبحار الذاتي” في الشبكة العالمية ليتمكّن من الوصول للمعلومة دون وسيط بشري، مؤكدا أن الهدف هو “ترشيد الاستعمال” لا المنع، بما يخدم القيم الإنسانية النبيلة.
ورغم غزارة النشر الإلكتروني، يرفض الأستاذ هيمة فكرة اختفاء الكتاب الورقي، معتبرا إياه حجر الزاوية في بناء هيكلية المعرفة وتشكيل الوعي بعيدا عن ضجيج الصورة، ليختم رؤيته بضرورة الجمع بين “أصالة الكتاب” و«ثورة التكنولوجيا” لتحقيق “الأمن الثقافي” الذي يعدّ المدخل الحقيقي للتحرّر من هيمنة الآخر.






