أكد البروفيسور بشير صوالحي، أن الحديث عن ثقافة الطفل لم يعد ترفا تربويا أو نشاطا هامشيا، بل أصبح قضية حضارية ترتبط بمستقبل المجتمعات، باعتبار أن الطفل الذي يُبنى وعيه بصورة سليمة اليوم، سيكون مواطن الغد وصانع قراراته، وحامل هوية الأمة وقيمها الثقافية والحضارية.
أوضح بشير صوالحي لـ«الشعب”، أن الاهتمام بثقافة الطفل في ظلّ التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، يفرض الانتقال من الفهم التقليدي للتربية إلى رؤية شاملة تُعنى ببناء شخصية الطفل فكريا وقيميا ونفسيا وإبداعيا، مشيرا إلى أن العالم الرقمي فتح أمام الأطفال فضاءات واسعة للمعرفة والتواصل، لكنه في المقابل أفرز تحديات عميقة، من بينها ضعف الارتباط باللغة والهوية، وهيمنة المحتوى الاستهلاكي العشوائي، إلى جانب التأثر بالنماذج الثقافية الوافدة دون وعي أو تمحيص.
وأضاف البروفيسور صوالحي، أن الاستثمار الحقيقي في ثقافة الطفل يبدأ من الأسرة، ثم المدرسة، فالإعلام والمؤسسات الثقافية، من خلال توفير محتوى جذاب يجمع بين المتعة والفائدة، ويشجّع الطفل على حب التعلّم والبحث والتساؤل، مع ربطه بلغته ودينه وتاريخه وقيم مجتمعه، وتنمية التفكير النقدي لديه والقدرة على الاختيار الواعي.
وأشار المتحدث إلى أن تشكيل وعي الطفل يُبنى عبر تعليم جيد، وقراءة واعية، وإعلام مسؤول، ومؤسسات تربوية وثقافية تغرس قيم الحوار والتفكير والنقد والانتماء، بما يجعل الطفل أكثر حصانة أمام التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم وأكثر استعدادا لصناعة المستقبل.
وقد شدّد الأستاذ الجامعي على أن الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة لا تكون برفضها أو التخوف منها، بل بحسن توظيفها، موضحا أن التطبيقات التعليمية والقصص التفاعلية والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، يمكن أن تتحوّل إلى أدوات فعّالة في تثقيف الطفل إذا استُعملت بصورة صحيحة.
كما دعا إلى ضرورة إنتاج محتوى عربي وإسلامي وطني راق يخاطب عقل الطفل وروحه بلغة العصر، مع تعزيز الرقابة التربوية وغرس المناعة الفكرية لديه، حتى لا يكون مجرد مستهلك سلبي لما يُعرض عليه، مؤكدا أن الهدف ليس حماية الطفل من العالم بقدر ما هو تأهيله للتعامل الواعي معه.
أما بخصوص واقع ثقافة الطفل في الجزائر، فأبرز البروفيسور بشير صوالحي وجود جهود معتبرة تبذلها المدرسة ودور الثقافة والجمعيات ووسائل الإعلام، إلى جانب تنظيم التظاهرات الثقافية والأنشطة التربوية والقرآنية، غير أنه اعتبر أن هذه المبادرات ما تزال بحاجة إلى مزيد من التكامل والاستمرارية والتجديد، خاصة في مجال المحتوى الرقمي الموجه للأطفال، وتكوين المختصين في أدب الطفل والإعلام التربوي، وربط الثقافة بالحياة اليومية للطفل الجزائري واحتياجاته الفعلية.
كما أكد أن التحدي الأكبر يكمن في تحويل ثقافة الطفل إلى مشروع وطني تشارك فيه مختلف المؤسسات، بدل أن تبقى مرتبطة بمناسبات ظرفية أو نشاطات موسمية، مشددا في ختام تصريحه على أن بناء ثقافة الطفل هو في جوهره بناء لمستقبل الأمة، لأن المجتمعات القوية لا تُقاس فقط بما تملكه من إمكانات مادية، وإنما بما تغرسه في أطفالها من وعي ثقافي محصن بالقيم والهوية وروح الإبداع والتفاعل الإيجابي مع العالم، وهي المعايير التي تصنع الأجيال الراشدة القادرة على بناء الحضارات.






