لعلّ أصعب ما عايشه كتّاب قطاع غزة أثناء وبعد الحرب، هو عدم قدرتهم على ابتداع لغة ترقى إلى فظاعة الحدث، رغم أنه لم يدخروا جهدا في هذا السياق؛ فأشهروا أقلامهم وأطلقوا العنان لمخيلاتهم في محاولات جادة ومهمة لخلق نصوص ولغة توازي حجم الكارثة، وكانت محاولاتهم تؤتي أكلها حينا وتعجف أحايين أخرى، تقارب ثم تسدّد، لكن ورغم حرفية الإنتاج ومتانة النسج وتطوره اللافت إلا أن المشهد أبعد من أن يدانيه خيال أو تحمله لغة في أوعيتها..
هذا ما شكّل هاجس خوف لدى الكتّاب، وكان وما زال هذا السؤال محل جدل في أروقة النقد، وهو هل نجح كتّاب قطاع غزة بإنتاج تجربة ترقى لكارثية الحدث؟ وهل استطاعوا تصوير وإبراز المشهد كما يجب؟
هذا الأمر أرهق حافظة الكتاب وأشعرهم بالذنب العميق بأنهم لم يكونوا على القدر المروم من المسؤولية تجاه أكبر كارثة تعيشها القضية في تاريخ صراعها مع الكيان، فمنذ أن بدأت الحرب شرع كثير من النقاد والمثقفين بالمقارنات بين كتاب عاصروا مشاهد وكوارث تاريخية سابقة، وكتاب اليوم، كمقارنة تجربة محمود درويش في لبنان سنة 1982م، وتحديدا تجربته الشهيرة في قصيدته التسجيلية “مديح الظل العالي” خصوصا أنها كانت تجربة فريدة من نوعها، وحظيت بمدح وإشادة ما زال أثرها واضحا إلى اليوم، ومثل هذه المقارنات أظنها كانت سيفا ذا حدين، فكانت تارة تشعرهم باليأس، وأخرى تدخلهم في تحدٍّ وتضعهم أمام محكٍّ حساس بضرورة خلق تجربة موازية وقوية كالتجارب التي أقحموا معها في مقارنات هي بالأساس غير عادلة؛ فالظروف السياسية والاجتماعية، وعاملا الزمان والمكان التي عايشها كتاب قطاع غزة هي كلها استثنائية ولا مجال في هذا المقام لذكر تلك الظروف؛ فالجميع يدركها تماما.
وفي هذا السياق، لا بد أن نمر على بعض السمات الجلية كالندبة في الجبين على أغلب الإنتاجات الأدبية، وهي دخول مفردات جديدة مثل “الإبادة”، “مجاعة”، “تكيّة”، وإحياء أخرى كانت قد دفنت منذ زمن ولم يعد الكتاب يستعملونها في نصوصهم؛ لبعدها عن واقعهم المعيش مثل “خيمة”، “مقابر جماعية”، “نزوح” وغيرها من الكلمات، وهذا ينطبق أيضا على الصور والاستعارات والكنايات والخيال الأدبي المستخدم في علية الكتابة، علاوة عن نبرة الحزن التي صارت مكوّنا أساسيا وروتينيا من مكوّنات النص وقد عبرنا عن ذلك في إحدى قصائدنا :
لفــرط ما زارنـا الحـزنُ
صرنــا نحــن الضيـوف.
^^^^^^^^^^
لو كـان للحــزن صــوتٌ
لكـان صوتـي.
^^^^^^^^^^
شكـرا للحـــرب
التي جعلـت الحـــزن
كشـرب الشـاي أول النهار
كذلك، التغيرات الدلالية التي طرأت على كثير من المفردات والمفاهيم، ما أدى إلى خلق نوع من الصدمة تبعها صمت وركود واختلاء بالذات؛ لإعادة ترتيب وتشكيل هذه التغيرات في الوعي وقاموس الكتابة، وتجليس بعض المفاهيم التي كانت وليدة الإبادة وتداعياتها على جميع الأصعدة.
وأما على سبيل الموضوعات التي كانت تحملها وتعبر عنها النصوص الأدبية والحالة العامة التي كانت تسيطر عليها، فلا يخفى على أحد ظهور موضوعات جديدة ومهمة، وأعتقد أنها هي ما تميز هذه التجربة عن باقي التجارب برمتها، كوصف رحلة النزوح، تصوير مشاعر الجوع وحياة الخيام، والتدافع على طوابير المياه والطعام وغيرها من الموضوعات، وكلها كانت تلبس عباءة الخوف والقلق الوجودي ويطغى عليها الاحساس باليأس واللامعنى تجاه كل شيء، ويعلو فيها صوت العويل فوق أطلال معنى الحياة المنشود، وربما غرق الكتاب – بوعي أو دون وعي ـ في فلسفات كالعدمية والعبثية، بل كانت نصوصهم تمثل تلك الفلسفات وتعبّر عن حالة من اللاجدوى وفقدان الشهية تجاه ممارسة إنسانيتهم.
وما يلاحظ على كتاب غزة أنهم نزلوا من برج اللغة العاجي، وابتعدوا بعض الشيء عن الصور والمفردات المبهرجة، والغنائية في نسج القصائد، ولم يعتمدوا على الخيال كمكون طاغٍ على أسلوبية النص، فهم في هذه اللحظة التاريخية لم يعنوا بالاستعراض اللغوي والنحت من صخور البلاغة، والتغني على إيقاع الموسيقى ورنين الكلمات، بل كان هناك غاية أسمى وأهم وهي تصوير المعاناة كما هي حقا، وربما لم يحتاجوا لذلك؛ فالمشهد الحقيقي أبلغ من المجاز.
من ديوان “ لست أنا من أكتب لكم”






