يواجه المفهوم المعاصر لـ«النظرية” (Théorie) في فضاء الدراسات الأدبية والثقافية غموضا دلاليا يثير دهشة الدارسين والمتابعين؛ فقد صار المصطلح يُتداول مجردا من أي مضاف إليه، فلا يقال “نظرية الأدب”، إنما “النظرية” وحسب.. ولعلّ هذا التجريد يضعنا أمام سؤال منهجي بامتياز: نظرية ماذا؟ والإجابة تفصح عن صعوبة بالغة؛ إذ لا تشير “النظرية” هنا إلى نسق تفسيري شامل، ولا إلى فحص ظاهرة عينية بعينها، فقد تحوّلت إلى ما يشبه “النشاط المنهجي” أو الممارسة المعرفية التي يختار الباحث الانخراط فيها أو النفور منها، دون أن يتحدد موضوعها بشكل حاسم.
إن التحوّل العميق الذي طرأ على حقل الدراسات الأدبية، يعكس مفارقة جذرية؛ فالذين يدافعون عن سطوة “النظرية” أو يشتكون من هيمنتها الأكاديمية، لا يقصدون بها “النظرية الأدبية الكلاسيكية”، تلك التي تُعنى بالبحث النظامي في ماهية الأدب، وخصائص الخطاب الجمالي، وآليات تحليله النصية، بل على العكس من ذلك تماما، يتجلى الامتعاض الأكاديمي من كون النظرية أصبحت تمنح مساحات واسعة لقضايا غير أدبية، وتغرق في قراءات معقدة لنصوص نفسية، وفلسفية، وسياسية لا تبدو علاقتها بالأدب مباشرة أو بديهية، ومن هنا، صارت “النظرية” في الوعي الأكاديمي مرادفة لمدونة من الأسماء الفكرية العابرة للتخصّصات، من أمثال: ميشيل فوكو، جاك ديريدا، جاك لاكان، جويدث بتلر، لويس ألتوسير، جورجيو أغامبين، وغاياتري سبيفاك.
ولتفكيك هذا الالتباس، يقتضي الأمر فحص بنية مصطلح “نظرية” في تمظهراته اللغوية والمعرفية، فالاستخدام العام للمصطلح ينقسم إلى اتجاهين: الأول علمي صارم يحيل على منظومة من الفرضيات المثبتة كـ«نظرية النسبية”، والثاني تداولي يومي يحيل على “المضاربة الفكرية” أو التخمين كقولنا: “لدي نظريتي الخاصة حول سبب خطوة ما”.. ومع ذلك، تتمايز النظرية عن “الحدس” أو “التخمين”؛ فالحدس يفترض وجود إجابة صحيحة مسبقة يمكن التحقق منها بمجرد توفر معطى خبري جديد، في حين أن النظرية تمثل تفسيرا معقدا تظلّ فرضية صدقه أو كذبه صعبة الإثبات أو الدحض، فضلا عن ذلك، فإن النظرية لا تشرح أمرا بديهيا، بحكم أنها تقتضي وجود علاقات شبكية ومنهجية بين عوامل متعددة ومتباينة.
انطلاقا من هذا التوصيف، يمكن مقاربة النظرية بوصفها “جنسا معرفيا قائما بذاته”، وهو الطرح الذي صاغه الفيلسوف ريتشارد رورتي بالإشارة إلى ولادة جنس هجين ومستحدث منذ القرن التاسع عشر (مع غوته، وكارلايل، وإيمرسون)؛ جنس لا ينحصر في تقييم المنجز الأدبي، ولا ينكفئ على تاريخ الأفكار أو الفلسفة الأخلاقية والنبوءة الاجتماعية، إنما يدمج هذه الحقول جميعا في فضاء واحد.
إن المعيار الأساسي لانتساب أي أثر فكري إلى هذا الجنس المسمى “نظرية” هو قدرته على تخطي حقل إنتاجه الأصلي وإعادة توجيه النقاش في حقول معرفية أخرى؛ حيث تبنى نقاد الأدب أطروحات آتية من الأنثروبولوجيا، واللسانيات، والتحليل النفسي، والسوسيولوجيا، والسياسة؛ لأنها قدمت آليات ومفاهيم جديدة ومقنعة لفهم النص والثقافة، والتاريخ.
وتكمن القوة الإجرائية للنظرية في مفعولها الارتدادي على “المرتكزات البديهية” أو ما يصطلح عليه بـ«الحس السليم”، فالوظيفة الأساسية للنظرية هي خلخلة المفاهيم المستقرة، وزعزعة المقاربات التي تبدو بديهية كالفكرة القائلة بأن معنى النص يطابق قصْدية المؤلف، أو أن الكتابة مرآة تعكس تجربة واقعية كامنة وراءها، أو أن الواقع هو مجرد المعطى الحاضر في لحظة عينية، ما يعني أن النظرية تشتغل كأداة نقدية شرسة تبرهن على أن ما نعتبره “طبيعيا وبديهيا” ليس سوى بنية تاريخية صيغت ضمن شروط محددة، وهو ما يفتح الباب لمساءلة الأسس الجوهرية للدراسات الأدبية: ما المعنى؟ ما المؤلف؟ ما الذات القارئة والكاتبة؟ وما طبيعة علاقة النص بالشرط التاريخي لإنتاجه؟
ويظهر هذا التجريف النقدي لـ«الحس السليم” بوضوح من خلال نموذجين تأسيسيين في الفكر المعاصر: ميشيل فوكو وجاك ديريدا.
يتناول جاك ديريدا مفهوم الكتابة عبر تفكيك نصوص جان جاك روسو في “الاعترافات”، ولقد قامت الفلسفة الغربية تقليديا على مركزية الصوت (Logocentrisme)، معتبرة الكلام تجسيدا مباشرا وفوريا للفكر والحضور، في حين نُظِر إلى الكتابة كأداة ثانوية، مشتقة، ومكملة اصطناعية تشتغل في غياب المتكلم وتفتح باب اللبس.
يفكك ديريدا مفهوم روسو الذي يعرّف الكتابة بوصفها مجرد “ملحق” أو “ملء لثغرة” (Supplément)، ويكشف التحليل التفكيكي أن هذا “الملحق” ليس نافلا، بحكم أنه يملأ نقصا أصيلا في الكلام نفسه؛ فروسو يعترف بأنه يلجأ إلى الكتابة لأن حضوره الجسدي وكلامه الشفاهي يعجز عن إظهار حقيقته الداخلية ويوقعه في سوء الفهم.
ويمتد هذا المنطق – “منطق الملحقية” (Logique de supplémentarité) – ليشمل تجربة الوجود برمتها عند روسو؛ فحتى في الحضور الفعلي لمعشوقته “ماما” (مادام دي فارينز)، لا يتحقق الامتلاء الذاتي، بل يظل بحاجة إلى علامات بديلة ووسائط لتعويض غياب دائم، ومن هنا يستنتج ديريدا أطروحته الشهيرة “لا شيء خارج النص” (Il n’y a pas de hors-texte)، بمعنى أن الواقع والخبرة الإنسانية لا ينفصلان عن أنظمة العلامات؛ فالحضور المطلق أو الأصل النقي هو مجرد “سراب” تصنعه النسخ والوسائط الخطابية، والكتابة هنا ليست إضافة للواقع، لأن الواقع ذاته متشبّع بالعلامات والإحالات المتبادلة.
تأسيسا على ما تقدم، يتضح أن “النظرية” في فضاء النقد الحديث والمعاصر، قد قطعت الحبل السّري مع وظيفتها التقليدية بوصفها أداة إجرائية خادمة للنص الأدبي، أو آلية شارحة تتوخى استخراج المعاني الكامنة في بطون النصوص.. إن هذا التحوّل الجذري قد نقلها من رتبة التابع التفسيري إلى مصاف الفضاء المعرفي المستقل، والمتميز بقدرة فائقة على الاشتباك مع حقول معرفية متباينة؛ فلم تعد القراءة النقدية محصورة في تفكيك البنى اللغوية الصرفة، بعد أن صارت ساحة تتقاطع فيها الفلسفة، والتحليل النفسي، والأنثروبولوجيا، والعلوم السياسية، ما جعل من النص الأدبي ذاته منطلقا لمساءلة الوجود الإنساني برمته وليس حقلا للدراسات الجمالية المعزولة.
وفي هذا السياق المتشعب، يبرز الدور الوظيفي للنظرية المعاصرة باعتبارها ممارسة نقدية قلقة، لا تروم تقديم إجابات ناجزة أو صياغة قوانين مطلقة لتأويل الظواهر الإنسانية، ذلك أن قيمتها الحقيقية تكمن في قدرتها على تفكيك آليات إنتاج المعنى داخل الأنساق الثقافية.. إنها تكشف عن الكيفية التي تُبنى بها النصوص والخطابات، وتتعقب المسارات الخفية التي يتسلل من خلالها الأيديولوجي والسياسي ليتدثرا بدثار المعرفي والجمالي؛ وبذلك، لم يعد الهدف هو الوصول إلى “حقيقة” النص النهائية، وإنما الكشف عن الشروط والملابسات التاريخية واللغوية التي جعلت من هذا المعنى أو ذاك ممكنا ومقبولا في مرحلة زمنية معينة.
هنا، يتجلى التوجّه النقدي للنظرية في سعيها الدؤوب لتحويل “البديهيات المستقرة” التي يروج لها “الحس السليم” إلى موضوعات خاضعة للمساءلة الجنيالوجية والتفكيكية، مبرهنة على أن ما يبدو لنا “طبيعيا وفطريا” ليس في حقيقته سوى بناء تاريخي واجتماعي محكم أفرزته موازين القوى وصراعات الخطاب، فمن خلال المنهج الجنيالوجي الفوكوي، يجري الحفر في الأصول العميقة للمفاهيم والمؤسسات للكشف عن تحالفات “المعرفة والسلطة”، بينما تعمل التفكيكية الديريدية على تقويض الثنائيات الضدية التراتبية التي سادت الفكر الغربي؛ الأمر الذي أدى إلى تعرية زيف “الحضور المطلق” وخلخلة الأطر المفهومية التي ظلت تحكم وعينا المعرفي لقرون طويلة.
إن التجريف المنهجي المنظم قد أفضى إلى إعادة صياغة جذرية لعلاقتنا باللغة والواقع؛ فاللغة لم تعد في المنظور النظري المعاصر وعاء شفافا أو أداة بريئة لنقل الأفكار والتعبير عن واقع موضوعي مسبق الصنع، إنما هي الصانعة لهذا الواقع والمتدخلة في تشكيله وحجبه في آن واحد، وضمن هذا الفهم التفكيكي الذي يلخصه الشعار الديريدي “لا شيء خارج النص”، يصبح الواقع ذاته شبكة معقدة من العلامات والإحالات المتبادلة والوسائط الخطابية، حيث يتعذّر الفصل بين الشيء وتمثيله، وتتحول تجربة العيش الإنساني إلى ممارسة قرائية مستمرة لعلامات ونصوص لا تكف عن التوالد والتحوّل.
في المحصلة، امتدت الثورة المفاهيمية لتطال منظومة “الهوية” الإنسانية، مخلخلة التصورات الميتافيزيقية الكلاسيكية التي كانت تنظر إلى الذات باعتبارها جوهرا ثابتا، ومركزا مستقلا لإنتاج الوعي والحرية.. لقد أثبتت الأطروحات النظرية المتقاطعة، بدءا من البنيوية وصولا إلى دراسات النوع والمابعد كولونيالية، أن “الـهوية” هي كيان مرن، متشظٍ، ويقع دائما في صيرورة التكون عبر التفاعل مع خطابات السلطة، والمؤسسات، وأنظمة العلامات المحيطة به؛ وبذلك، أعادت النظرية صياغة شروط تشكّل الذات الكاتبة والقارئة على حدّ سواء، ووضعتنا أمام عالم يتسم بالتعدّد والارتحال المستمر، وتغيب فيه المراكز الثابتة لصالح الهامش والاختلاف.





