أصبحت الساعات الذكية والتطبيقات الرياضية المتصلة تهيمن بشكل متزايد على يوميات ممارسي الرياضة الهواة، لا سيما هواة “الجري” (Footing)، محولة نشاطا كان يعنى أساسا بالراحة النفسية والبدنية إلى مختبر مفتوح لجمع البيانات الشخصية، وسط تحذيرات متزايدة من خبراء الصحة النفسية والرياضية من تحوّل هذه التكنولوجيا إلى مصدر للضغط النفسي والقلق.
وصار مشهد العدائين في الحدائق والمساحات العمومية وهم يراقبون معاصمهم بدقة، أمرا مألوفا؛ حيث لم يعد الرياضي الهاوي يخرج من أجل الجري، قدر ما يحرص على إنتاج إحصائيات دقيقة تشمل معدل ضربات القلب، جودة النوم، مستويات الطاقة البدنية (Body Battery)، والوقت اللازم للتعافي.ورغم أن هذه الأدوات تقدم وعودا مغرية تبدو بمثابة “مدرب رقمي” يرافق الرياضي لتحسين أدائه وتحفيزه عبر نظام المكافآت والتفاعل الاجتماعي، إلا أن المبالغة في قياس كل التفاصيل بدأت تنتج آثارا عكسية.
في هذا الصدد، أشار المتخصّص في الأجسام المتصلة، غيوم ديتش، إلى أن “التركيز المفرط على الأرقام أصبح يأتي على حساب الإحساس الجسدي الطبيعي”، مؤكدا أن الأمر قد يتحوّل إلى “إدمان” يجعل بعض الرياضيين يشعرون بالعجز عن الجري دون تسجيل بياناتهم.
من جانبه، يرى الأخصائي النفسي الرياضي، ماكيس شاماليديس، أن تدفق البيانات قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماما عندما يطغى على قدرة الشخص على التفكير المتزن؛ فالجهاز قد يصدر أحكاما قاسية مع بداية اليوم مثل “تراجع اللياقة” أو “تعافي غير كافٍ”، وهي مصطلحات قادرة على التأثير سلبا على معنويات المستخدم، حتى قبل أن يبدأ نشاطه.
وامتد تأثير هذه التكنولوجيا إلى شبكات التواصل الاجتماعي الرياضية مثل تطبيق “سترافا” (Strava)، حيث برزت شعارات من قبيل “إذا لم يوثق الجري على التطبيق، فكأنه لم يحدث”، ما أخرج الرياضة من حيزها الشخصي والحميمي إلى فضاء الاستعراض والمقارنة المستمرة، وهو ما يولد شعورا بالذنب والإحباط في حال عدم تحقيق الأهداف الرقمية المرصودة.
ويجمع الخبراء على ضرورة خلق “مسافة أمان” مع التكنولوجيات وإعادة الاعتبار للهدف الأسمى للرياضة، وهو الاستماع للجسد، والشعور بالأنفاس، والاتصال الذاتي بعيدا عن صخب الخوارزميات.
ويعكس الواقع الرقمي اليوم ظاهرة عالمية بدأت تلقي بظلالها على المجتمعات؛ وهي “رقمنة الجسد” وتحويل السلوك البشري الطبيعي إلى أرقام وبيانات (Datafication)، فالساعات الذكية صمّمت في الأصل كأداة لمساعدة الإنسان وتحفيزه، لكن الواقع يثبت وقوع المستخدم في فخ “الاستلاب الخوارزمي”؛ حيث تنازل الإنسان طواعية عن بوصلته البيولوجية والداخلية (الإحساس بالتعب، الرغبة في الراحة، الاستمتاع بالبيئة المحيطة) لصالح حكم خوارزمي خارجي، وهذا بالضبط ما يمثل الاغتراب عن الجسد، ويمثل معضلة نفسية حديثة.
ولقد تحوّلت الرياضة الفردية العفوية إلى مادة قابلة للمشاركة الفورية عبر منصات مثل Strava، ما عزز “المجتمع الاستعراضي”، وهو ما يعني أن الدافع وراء الرياضة لم يعد الصحة الفردية، بقدر ما صار انتزاع “الاعتراف الاجتماعي” (اللايكات)، ولقد حول هذا الضغط الممارسة الترفيهية إلى التزام وظيفي شاق، وأفقدها وظيفتها الأساسية كتفريغ للشحنات السلبية الناتجة عن ضغوط العمل والحياة.
ويتوقّع أن تشهد السنوات القادمة رد فعل عكسي (Backlash) ضد هذه الهيمنة الرقمية، ويبدو أن العالم على مشارف بروز اتجاه “الرياضة العفوية” (Mindful Running) بظهور حركات تدعو إلى ممارسة الرياضة بدون أي أجهزة متصلة (Offline Sports)، بهدف استعادة العلاقة الفطرية مع الطبيعة والجسد، كما يمكن أن تضطر الشركات المصنعة للساعات الذكية إلى تعديل خوارزمياتها لتصبح أكثر مرونة و«تعاطفا”، بحيث لا تكتفي بجلد المستخدم بالأرقام، وتأخذ في الحسبان العوامل النفسية والسياقات الإنسانية (مثل رصد حالات التوتر، أو التوصية بالراحة التامة دون إشعار بالذنب).
والغالب أن الرياضي الهاوي سيتعلم مستقبلا – بعد مرحلة الهوس الحالية – أن البيانات مجرد “مؤشر استئناسي” وليست حقيقة مطلقة، ما يعيد التوازن بين العقل البشري والآلة، ويجعل التكنولوجيا خادما للصحة لا سيدا عليها.





