وضع استراتيجية وطنية متكاملة للفنون.. ضرورة ملحة
أكد الدكتور قدور حمداني، رئيس قسم الفنون بجامعة الجزائر 02، أن الفن في الجزائر أصبح اليوم ركيزة أساسية في مسار التنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، مشددا على أن الدولة الجزائرية فتحت آفاقا واسعة أمام الشباب للمساهمة في بناء اقتصاد ثقافي قائم على الإبداع والابتكار.
وأوضح قدور حمداني في تصريح لـ»الشعب» أن إحياء يوم الفنان المصادف لـ8 جوان، يمثل «فرصة رمزية للتذكير بالدور المركزي للفنانين كمبدعين وحماة للذاكرة والهوية الوطنية»، مضيفا أن الفنون في الجزائر «ليست ترفا ثقافيا، بل شريان من شرايين التراث وعنصرا أساسيا في التنمية البشرية والاجتماعية».
وأشار المتحدث إلى أن الجزائر شهدت خلال السنوات الأخيرة توجها واضحا نحو تمكين الشباب في المجال الفني والثقافي، من خلال مشاريع الدعم التي توفرها الدولة عبر مختلف القطاعات، خاصة وزارة الثقافة والفنون وقطاع الشباب، إلى جانب تشجيع المؤسسات الناشئة والمشاريع الجامعية.
وأضاف أن هذه الديناميكية سمحت بتمويل مشاريع في المسرح والسينما والنشر وإنتاج المحتوى الثقافي، ما أسهم في خلق فرص عمل جديدة للشباب وتحقيق التنمية المستدامة، فضلا عن الحفاظ على التراث الوطني وتطوير الموارد البشرية.
وفي حديثه عن علاقة الفن بالهوية الوطنية، أكد رئيس قسم الفنون بجامعة الجزائر02 أن الفن يؤدي «دورا حيويا في حماية الذاكرة الجماعية وصون القيم الثقافية»، خاصة في ظل التحولات الرقمية والعولمة، موضحا أن الفنون اليوم لم تعد مرتبطة فقط بالعروض الحية، بل أصبحت تشمل أيضا إنتاج المحتوى الرقمي والتسويق الثقافي عبر الوسائط الحديثة.
كما شدد على أهمية توظيف التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في خدمة الثقافة والفنون، معتبرا أن إعادة الاعتبار للتعليم الفني في المدارس والمعاهد واستحداث بكالوريا الفنون وأقسام الفنون في الجامعات الجزائرية، كلها مؤشرات تؤكد أن الجزائر «تسير في الطريق الصحيح نحو بناء صناعة ثقافية حقيقية».
وفي السياق ذاته، دعا حمداني إلى تعزيز مشاريع الأرشفة الرقمية وإنشاء مراكز بحث متخصصة داخل الجامعات بالتعاون مع الفنانين والجمعيات الثقافية، بما يسمح بتكوين الشباب في التقنيات السمعية البصرية وفنون العرض، ويفتح آفاقا جديدة لسوق العمل الثقافي.
وبخصوص واقع الفن في الجزائر، رفض المتحدث فكرة حصر الفن في النخب، مؤكدا أن «الفن للجميع»، وأن دوره الحقيقي يتمثل في «تغيير السلوك، ونشر الذائقة الجمالية، وتنمية التفكير النقدي والإبداعي لدى الأفراد».
وأضاف أن التربية الفنية لا تقتصر على تعليم المهارات التقنية فقط، بل تشمل أيضا بناء الحس الجمالي وتنمية الخيال والقدرة على التعبير الفني، بما يساهم في تكوين مواطن فاعل ومنخرط في التنمية المجتمعية.
أما عن التحديات التي تواجه الباحثين الشباب في مجال الفنون، فقد دعا الدكتور حمداني الطلبة والشباب إلى الحفاظ على شغفهم الفني والانخراط في البحث والتوثيق وفق منهجيات علمية واضحة، مع ضرورة اكتساب أدوات الثقافة الرقمية والإدارة الثقافية وبناء شبكات تعاون محلية ودولية.
واقترح في هذا الإطار جملة من الإجراءات العملية، من بينها وضع استراتيجية وطنية متكاملة للفنون تربط بين التعليم والبحث والسوق الثقافي، إلى جانب توفير تمويل مستدام للمؤسسات الثقافية والمهرجانات، وتشجيع الشراكات بين الجامعات والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
كما شدد على أهمية حماية الحقوق المادية والمعنوية للفنانين وتحديث التشريعات، بما يواكب التطورات الرقمية، مع دعم التكوين الأكاديمي والمهني في مجالات الفنون وإدارة الثقافة وريادة الأعمال الثقافية.
وختم حمداني تصريحه بالتأكيد على أن الفن سيظل في خدمة الشعب والوطن، باعتباره قوة ناعمة قادرة على ترسيخ الهوية الوطنية والمساهمة في بناء مستقبل ثقافي وتنموي أكثر إشراقا للجزائر.






