إعـادة تموقع الجزائــر علـى أسـس علمية ومعرفيــة حديثـة
تثمين الرأسمال البشري..ثروة حقيقية لأي دولة تطمح إلى التقدم والازدهار
أكّد رئيس اللجنة الوطنية التنسيقية لمتابعة الابتكار وحاضنات الأعمال الجامعية، أحمد مير، أنّ استحداث المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج يمثل خطوة استراتيجية مفصلية في مسار بناء الجزائر الجديدة، التي تراهن على الإنسان والعلم والمعرفة باعتبارها ركائز أساسية لتحقيق التنمية المستدامة وإرساء اقتصاد وطني قوي ومتنوع قائم على الابتكار والتكنولوجيا.
أوضح أحمد مير، في تصريح لـ»الشعب»، أنّ هذا القرار يجسّد إرادة سياسية واضحة لإعادة تموقع الجزائر على أسس علمية ومعرفية حديثة، من خلال جعل الكفاءات الوطنية، داخل الوطن وخارجه، شريكًا رئيسيًا في صياغة السياسات التنموية والمساهمة الفعلية في التحول الاقتصادي والعلمي الذي تشهده البلاد. وأضاف أنّ التنمية أصبحت ترتكز على حسن استثمار العقول والكفاءات الوطنية وتوجيهها لخدمة المشروع الوطني.
وأشار إلى أنّ الجزائر تعيش مرحلة جديدة قوامها تثمين الرأسمال البشري باعتباره الثروة الحقيقية لأي دولة تطمح إلى التقدّم والازدهار، لافتًا إلى أنّ التجارب الدولية أثبتت أنّ النهضة العلمية والاقتصادية ترتكز على الاستثمار في البحث العلمي والابتكار، وتعزيز الصلة بين الجامعة ومحيطها الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما تعمل الجزائر على تجسيده عبر إصلاحات عميقة في قطاع التعليم العالي والبحث العلمي.
وبخصوص النداء الذي وجّهه رئيس الجمهورية إلى العلماء والباحثين والخبراء الجزائريّين عبر العالم، أكّد أحمد مير أنّ هذه المبادرة تحمل دلالات وطنية واستراتيجية عميقة، وتعكس الثقة في قدرات الكفاءات الجزائرية أينما وجدت، كما تؤكّد أنّ خدمة الوطن تقاس بحجم الإسهام في بناء الحاضر وصناعة المستقبل وتعزيز المصلحة الوطنية العليا.
وأضاف أنّ هذا التوجّه يجسّد رؤية شاملة ترمي إلى تحويل الجالية العلمية الجزائرية إلى قوة اقتراح وفاعل مؤثر في مسار التنمية، من خلال إدماجها ضمن إطار مؤسّساتي يضمن الاستمرارية والنجاعة، ويمنحها دورًا فعليًا في صياغة المشاريع الوطنية ذات البعد العلمي والتكنولوجي.
وأكّد أنّ الكفاءات الجزائرية بالخارج أثبتت حضورًا متميّزًا في مختلف التخصّصات العلمية والتكنولوجية، حيث يشغل العديد من الباحثين والعلماء الجزائريّين مناصب مرموقة في أرقى الجامعات ومراكز البحث الدولية، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والطب، والطاقة، والهندسة، والفضاء، والتكنولوجيات المتقدمة، إلى جانب مساهمتهم في إنجاز مشاريع بحثية دولية كبرى، وهو ما يعكس الرصيد العلمي والمعرفي الذي تزخر به الجزائر خارج حدودها.
وأوضح أنّ هذا الرصيد يستدعي ربطه بصورة فعالة بالمنظومة الوطنية للبحث العلمي والابتكار، عبر آليات تعاون واضحة تشمل الشراكات البحثية، وبرامج التكوين، وتبادل الخبرات، وإنشاء فرق بحث مشتركة بين الجامعات الجزائرية ونظيراتها الأجنبية التي تحتضن كفاءات جزائرية.
واعتبر أنّ استحداث المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج يشكّل خطوة عملية لبناء جسور دائمة بين الجزائر وعلمائها في المهجر، بما يسمح بتوحيد الجهود، وتنسيق المبادرات العلمية والتكنولوجية، وتوجيهها نحو أولويات التنمية الوطنية، خاصة في مجالات الطاقات المتجدّدة، الأمن الغذائي، الصحة، الرّقمنة، والصناعة الذكية.
وفي سياق متصل، شدّد أحمد مير على أنّ الجامعة الجزائرية تشهد تحولًا نوعيًا في وظائفها، بعدما أصبحت فضاءً لإنتاج المعرفة وتطوير الحلول التطبيقية، من خلال دعم البحث العلمي التطبيقي وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال، فيما أضحت حاضنات الأعمال الجامعية حلقة أساسية في تحويل الأفكار المبتكرة إلى مشاريع اقتصادية.
وأوضح أنّ هذه الحاضنات تؤدي دورًا محوريًا في مرافقة الطلبة والباحثين لإنشاء مؤسّسات ناشئة قادرة على خلق القيمة المضافة واستحداث مناصب الشغل، بما ينسجم مع التوجه الوطني الرامي إلى بناء اقتصاد يرتكز على الابتكار والمعرفة.
وأضاف أنّ ربط الجالية العلمية بالخارج بحاضنات الأعمال ومراكز الابتكار داخل الوطن من شأنه إحداث ديناميكية جديدة في ريادة الأعمال العلمية، عبر نقل التجارب الدولية الناجحة، وتطوير حلول مبتكرة تستجيب لاحتياجات السوق الوطنية والإقليمية، وتعزيز فرص إدماج الشباب في النشاط الاقتصادي.
وأشار إلى أنّ هذا التوجه ينسجم مع الرؤية الشاملة للجزائر الجديدة، التي تضع البحث العلمي والابتكار ضمن أولوياتها، وتسعى إلى بناء منظومة وطنية متكاملة تحول المعرفة إلى ثروة، والبحث العلمي إلى قيمة اقتصادية تعزّز السيادة العلمية والاقتصادية للبلاد.
وأكّد، في هذا الإطار، أنّ الدولة تعمل على ترقية مكانة الجامعة باعتبارها محرّكًا رئيسيًا للتنمية، من خلال تشجيع المشاريع المبتكرة، ودعم المؤسّسات الناشئة، وتطوير آليات التمويل والمرافقة، بما يوفر بيئة محفّزة للإبداع والتميز، ويُسهم في تكوين جيل من الطلبة والباحثين يمتلك روح المبادرة والقدرة على تحويل الأفكار إلى مشاريع منتجة.
وفي معرض حديثه عن البعد الاستراتيجي لهذا التوجه، أوضح أحمد مير أنّ الاستثمار في الكفاءات العلمية أصبح أحد أهم مقوّمات السيادة الوطنية، في ظل التحولات العالمية التي جعلت من القوة العلمية والتكنولوجية معيارًا رئيسيًا لقياس مكانة الدول وقدرتها التنافسية، مؤكّدًا أنّ الجزائر تمضي بخطى ثابتة نحو تعزيز قدراتها من خلال الانفتاح على كفاءاتها في الداخل والخارج.
وأضاف أنّ التجارب الدولية تؤكّد أنّ بناء النهضة يرتكز على الاستثمار في العقول، الأمر الذي يجعل الكفاءات الجزائرية موردًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، ويبرز ضرورة تنظيم هذه الطاقات وربطها بمشروع وطني موحّد يضمن تحقيق التنمية المستدامة.
واختتم بالتأكيد على أنّ المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج يشكّل لبنة أساسية في هذا المسار، باعتباره آلية مؤسّساتية من شأنها تجسيد تعاون علمي فعّال، وتوحيد الطاقات الوطنية، وتعزيز مكانة الجزائر كدولة صاعدة في مجالات البحث العلمي والابتكار والتكنولوجيا، وقادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا بثقة واستقلالية.




