منصوري لـ«الشعب»: خارطة طريق جديــــدة مـع أكــبر اقتصــــاد أوروبـــي
تُوِّجت الزيارة الرّسمية التي قام بها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، بإعلان مشترك وضع أجندة استراتيجية جديدة للشراكة الثنائية، ورسم أولويات التعاون بين البلدين خلال المرحلة المقبلة.
شملت الأجندة الحوار السياسي والدبلوماسي، والاقتصاد والطاقة، والصناعة والاستثمار، إلى جانب التعليم والثقافة والبحث العلمي، فضلاً عن الأمن والهجرة والتعاون الدفاعي.
يعكس اتّساع مجالات التعاون التي تضمّنها الإعلان المشترك توجّهاً واضحاً لدى الجزائر وبرلين نحو إضفاء طابع أكثر مؤسّساتية وانتظاماً على العلاقات الثنائية، من خلال إرساء آليات دائمة للحوار والمتابعة. وفي هذا الإطار، اتّفق الجانبان على تنظيم مشاورات سياسية دورية بين وزارتي الخارجية ومختلف الهيئات الحكومية، مع توسيع التنسيق ليشمل القضايا الإقليمية والدولية، والهجرة، والأمن.
وأكّد الدكتور منصوري عبد القادر، أستاذ العلوم السياسية، في تصريح لـ»الشعب»، أنّ الإعلان المشترك يشكّل خارطة طريق جديدة للعلاقات بين الجزائر وأكبر اقتصاد أوروبي، بالنظر إلى ما تضمّنه من مجالات تعاون واضحة وقابلة للتحوّل إلى مشاريع واتفاقيات عملية. وأضاف أنّ هذه الخطوة تعكس رغبة البلدين في إحياء شراكة تاريخية تستند إلى رصيد من التعاون، تجسّد منذ سبعينيات القرن الماضي عبر مساهمة المؤسّسات الألمانية في إنجاز عدد من المشاريع الصناعية الكبرى بالجزائر.
وأوضح المتحدث أنّ الشراكة الجديدة تقوم على قاعدة المصالح المتبادلة، إذ تتطلّع الجزائر إلى الاستفادة من الخبرة الألمانية في مجالات التكنولوجيا، والطاقات المتجدّدة، والصناعة الخضراء، والتجهيزات، والابتكار، في حين ترى ألمانيا في الجزائر شريكاً مستقرّاً قادراً على الإسهام في تعزيز أمنها الطاقوي وتنويع مصادر تموينها، بفضل إمكاناتها الكبيرة وموقعها الجغرافي القريب من الأسواق الأوروبية.
وفي السياق ذاته، أبرز الإعلان المشترك الأهمية الاستراتيجية للشراكة الطاقوية طويلة المدى، مؤكّداً أنّ تعزيز إمدادات الغاز يخدم مصالح الطرفين، كما أولى اهتماماً خاصاً بمشروع «ممرّ الهيدروجين الجنوبي» الذي يربط الجزائر بألمانيا عبر تونس وإيطاليا والنمسا. ويأتي هذا المشروع امتداداً للتعاون القائم، بعدما أنشأ البلدان سنة 2024 فريق عمل ثنائي للهيدروجين، قبل أن توقّع الجزائر وألمانيا وإيطاليا والنمسا وتونس، في جانفي 2025، إعلاناً مشتركاً لتطوير هذا الممرّ، الذي يُرتقب أن تبلغ قدرته مستقبلاً نحو 163 تيراواط/ساعة من الهيدروجين المتجدّد سنوياً نحو أوروبا، منها قرابة 55 تيراواط/ساعة موجّهة إلى ألمانيا.
مدخل لشراكة اقتصادية أشمل
يرى الدكتور منصوري أنّ ألمانيا تنظر إلى الجزائر باعتبارها شريكاً استراتيجياً طويل الأمد، مستندة إلى سجلّها كمورد موثوق للطاقة واحترامها الدائم لالتزاماتها التعاقدية، حتى في أصعب الظروف التي شهدتها أسواق النفط والغاز. كما أنّ الموقع الجغرافي للجزائر، واتساع مساحتها، ووفرة الإشعاع الشمسي، إلى جانب البنية التحتية لنقل الغاز والخبرة المتراكمة في القطاع، تؤهّلها للاضطلاع بدور محوري في إنتاج الهيدروجين الأخضر وتصديره.
وامتدت مجالات التعاون الواردة في الإعلان المشترك إلى النقل، والصحة، والصناعة الصيدلانية، والفلاحة، والمعادن الحيوية، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، والصناعة، بما يعكس توجّهاً نحو بناء شراكة اقتصادية متكاملة. كما اتفق الجانبان على دراسة إعادة تفعيل اللجنة الاقتصادية المشتركة، وإنشاء مجلس أعمال جزائري-ألماني يشكّل فضاءً دائماً يجمع المستثمرين والمؤسّسات الاقتصادية، ويُسهم في متابعة المشاريع ومعالجة العراقيل التي قد تواجه تنفيذها.
وتؤكّد المؤشّرات الاقتصادية وجود قاعدة صلبة يمكن البناء عليها، إذ بلغت المبادلات التجارية بين البلدين خلال سنة 2025 نحو 3.50 مليارات يورو، وفق النتائج الأولية لمكتب الإحصاء الفيدرالي الألماني. وبلغت قيمة الصادرات الألمانية إلى الجزائر 2.14 مليار يورو، مقابل واردات ألمانية من الجزائر بقيمة 1.35 مليار يورو، وهي أرقام تعكس حركية اقتصادية قابلة للتوسّع من خلال رفع حجم الاستثمارات وتنويع المبادلات التجارية.
وأشار منصوري إلى أنّ الجزائر تمتلك اليوم قاعدة صناعية آخذة في التوسّع، حيث بدأت منتجاتها تلج أسواقاً خارجية في قطاعات الأجهزة الكهرومنزلية، والصناعات الغذائية، والمنتجات الفلاحية، ومواد البناء. ويمنح ذلك المؤسّسات الجزائرية فرصاً أكبر للولوج إلى السوق الألمانية والأوروبية، في الوقت الذي تستفيد فيه الشركات الألمانية من موقع الجزائر كمنصة للإنتاج والتصدير نحو الأسواق الإفريقية.
كما شمل الإعلان المشترك مجالات التعاون الأكاديمي والبحث العلمي، والمنح الجامعية، والتبادل الثقافي، وتعليم اللغات، إلى جانب استكشاف مشاريع مشتركة في التكنولوجيات الناشئة، ومنظومات الابتكار، والصناعات الميكانيكية، والبتروكيماوية، والصيدلانية. واتفق الطرفان أيضاً على تعزيز التنسيق في قضايا مكافحة الإرهاب، والأمن السيبراني، والتضليل الإعلامي، والهجرة، والتعاون الدفاعي.
ويفتح هذا التنوّع في مجالات التعاون آفاقاً واسعة أمام العلاقات الجزائرية-الألمانية، ويعزّز فرص انتقالها إلى مرحلة أكثر عمقاً وفاعلية. كما يوفّر اعتماد آليات مؤسّساتية دائمة للحوار ومتابعة الظروف الملائمة لتحويل الاتفاقيات إلى مشاريع اقتصادية ملموسة، مدعومة بإرادة سياسية مشتركة تجعل من الشراكة بين البلدين نموذجاً واعداً للتعاون الاستراتيجي طويل المدى.



