تأهيل اليد العاملة والاستفادة من الخبرة والتكنولوجيا الألمانيتين
توسيع شبكة الشراكات الدولية واستقطاب استثمارات نوعية
تنامي دور الدبلوماسية الاقتصادية الجزائرية في خدمة أهداف التنمية
شكّلت الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، نهاية الأسبوع الماضي، بدعوة من الرئيس الألماني، محطة جديدة في مسار تطوير العلاقات الجزائرية-الألمانية، بعدما أسفرت عن نتائج سياسية واقتصادية عكست مستوى الثقة المتبادلة وتوافق الرؤى بين البلدين، وفتحت آفاقاً أوسع لتعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات.
أكّد الخبير في السياسات الحكومية، البروفيسور فارس هباش، في تصريح لـ»الشعب»، أنّ الزيارة الرّسمية لرئيس الجمهورية إلى ألمانيا تندرج ضمن الحركية الدبلوماسية والاقتصادية التي تنتهجها الجزائر لتوسيع شبكة شراكاتها الدولية واستقطاب استثمارات نوعية تدعم مسار التحول الاقتصادي.
وأوضح أنّ هذه الزيارة تعكس المكانة المتنامية التي باتت تحتلّها الجزائر لدى الشركاء الاقتصاديّين الدوليّين، باعتبارها سوقاً واعدة ووجهة استثمارية تمتلك مقوّمات بشرية وصناعية ولوجستية تؤهّلها لاستقطاب المشاريع الكبرى.
تنويع الاقتصاد… أولوية المرحلة
أشار هباش إلى أنّ منتدى الأعمال الجزائري-الألماني مثّل إحدى أبرز محطات الزيارة، بعدما أتاح فضاءً مباشراً للتواصل بين المسؤولين الاقتصاديّين ورجال الأعمال وممثلي المؤسّسات في البلدين، وأسهم في استكشاف فرص جديدة للتعاون والاستثمار.
وأضاف أنّ المنتدى جسّد إرادة مشتركة للارتقاء بالعلاقات الاقتصادية من مستوى المبادلات التجارية إلى شراكات استثمارية تقوم على الاستثمار المباشر، وإنجاز مشاريع مشتركة، وتوطين النشاطات الصناعية داخل الجزائر.
وأكّد أنّ الاتفاقيات ومذكّرات التفاهم الموقّعة تنسجم مع استراتيجية التنويع الاقتصادي التي تعتمدها الجزائر، والرامية إلى بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية، عبر تعزيز مساهمة قطاعات الصناعة، والفلاحة، والصناعات الصيدلانية، والاقتصاد الرّقمي، والخدمات، والابتكار في تكوين الثروة الوطنية، إلى جانب تشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية ذات القيمة المضافة.
الصناعة ونقل التكنولوجيا… محور الشراكة
أوضح البروفيسور هباش أنّ الشراكة مع ألمانيا تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى الخبرة الواسعة التي تتمتّع بها المؤسّسات الألمانية في مجالات الصناعة الميكانيكية، وصناعة السيارات، والآلات والتجهيزات، والتكنولوجيا، والصناعات الصيدلانية، والتجهيزات الطبية.
وأضاف أنّ توسيع الاستثمارات الألمانية في الجزائر من شأنه دعم التصنيع المحلي، ورفع القدرات الإنتاجية، وتعزيز الإدماج الصناعي، وتطوير شبكة المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة، فضلاً عن تنشيط قطاع المناولة.
واعتبر أنّ الاتفاق المتعلّق بتوطين إنتاج محرّكات علامة «أوبل» في الجزائر يجسّد نموذجاً للشراكات التي تراهن عليها الجزائر، باعتباره يكرّس الانتقال إلى التصنيع المحلي، ويفتح المجال أمام تطوير الصناعات المكمّلة، وتأهيل اليد العاملة، والاستفادة من الخبرة والتكنولوجيا الألمانيّتين.
وأشار إلى أنّ المؤسّسات الألمانية الصغيرة والمتوسطة، المعروفة بقدراتها العالية على الابتكار والتخصّص، تمثل شريكاً مهماً للمؤسّسات الجزائرية، بما يُسهم في تطوير النسيج الصناعي الوطني، والرفع من جودة المنتجات، وتعزيز قدرتها على ولوج الأسواق الخارجية.
كما تعكس هذه الديناميكية، بحسب المتحدث، النتائج الإيجابية للإصلاحات الاقتصادية التي باشرتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة، لاسيما ما يتعلّق بتحسين مناخ الاستثمار، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتوفير العقار الاقتصادي، وتعزيز دور الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، بما يمنح المستثمرين رؤية أوضح وبيئة أكثر استقراراً.
الجزائر… منصّة للإنتاج والتصدير
يرى هباش أنّ جاذبية الجزائر الاستثمارية تستند إلى مجموعة من المقوّمات، في مقدّمتها موقعها الجغرافي الاستراتيجي القريب من الأسواق الأوروبية، وامتدادها الإفريقي والمتوسطي، واتساع سوقها المحلية، وتوفّر الموارد البشرية المؤهّلة، فضلاً عن شبكة الموانئ والطرق والمنشآت القاعدية التي تؤهّلها لتكون منصة إقليمية للإنتاج والتصدير.
وأكّد أنّ الاستثمارات الجزائرية-الألمانية المشتركة ستُسهم في تعزيز اندماج الجزائر ضمن سلاسل القيمة العالمية، من خلال تطوير الإنتاج المحلي، والارتقاء بمعايير الجودة، وتشجيع نقل المعرفة والتكنولوجيا، وتأهيل المؤسّسات الوطنية للتعاون مع المجموعات الصناعية الكبرى.
وأضاف أنّ هذه الشراكات ستنعكس أيضاً على سوق العمل عبر استحداث مناصب شغل جديدة، وتطوير كفاءات الشباب، وتعزيز الابتكار، ودعم أنشطة البحث والتطوير.
التقارب السياسي… مشاريع على أرض الواقع
شدّد هباش على أنّ زيارة رئيس الجمهورية إلى ألمانيا تؤكّد تنامي دور الدبلوماسية الاقتصادية الجزائرية في خدمة أهداف التنمية، من خلال الترويج للفرص الاستثمارية، وبناء شراكات قائمة على المصالح المتبادلة وتحقيق المنفعة المشتركة.
وأضاف أنّ منتدى الأعمال الجزائري-الألماني أبرز الإرادة المشتركة لتحويل التقارب السياسي بين البلدين إلى مشاريع استثمارية وصناعية ملموسة، قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين، وترسيخ شراكة اقتصادية طويلة المدى.
وختم بالتأكيد على أنّ الزيارة الرّسمية والاتفاقيات التي أثمرت عنها تمثل خطوة جديدة في مسار بناء اقتصاد وطني متنوّع يرتكز على الإنتاج والاستثمار والابتكار، ويمنح القطاع الخاص دوراً أكبر في خلق الثروة، كما تعكس تنامي الثقة الدولية في الإمكانات الاقتصادية التي تزخر بها الجزائر، وقدرتها على التحول إلى قطب استثماري وصناعي محوري في حوض المتوسط والقارة الإفريقية.




