قاعـدة إنتـاج وتصديـــر نحــو الأســـــواق الإفريقيـــــة
يمثل الاتفاق المبرم مع علامة «أوبل» الألمانية خطوة مهمة نحو تعزيز اندماج الجزائر في سلاسل القيمة الصناعية العالمية، إذ إنّ توطين صناعة المحرّكات يفتح المجال أمام إنشاء منظومة صناعية متكاملة تستقطب عشرات المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة للانخراط في قطاع الصناعات الميكانيكية، بما يُسهم في بناء نسيج صناعي حديث ومتطور يواكب التحولات المتسارعة للأسواق العالمية.
تدخل الجزائر اليوم مرحلة أكثر تقدماً في مسار تطوير صناعتها الميكانيكية، من خلال الانفتاح على التكنولوجيا الألمانية والاستفادة من خبرات إحدى أبرز العلامات الأوروبية في صناعة السيارات، وهو ما تجسّد في التوجه الاستراتيجي نحو شراكة جديدة مع شركة «أوبل» التابعة لمجموعة «ستيلانتيس» العالمية.
وشهدت العاصمة الألمانية برلين، يومي 16 و17 جويلية 2026، اهتماماً لافتاً من جانب شركة «أوبل»، التي رفعت العلم الجزائري على واجهة مقرّها الرئيسي ومصنعها في ألمانيا، في إشارة رمزية إلى أهمية الزيارة الرّسمية التي قام بها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، وإلى الآفاق التي تفتحها هذه الشراكة الصناعية بين البلدين.
وتُوّجت الزيارة بانعقاد المنتدى الاقتصادي الجزائري-الألماني في برلين، الذي أسفر عن التوقيع على 31 اتفاقية ومذكّرة تفاهم شملت عدداً من القطاعات الحيوية. غير أنّ أبرز نتائج المنتدى تمثلت في توقيع مذكّرة تفاهم استراتيجية بين شركة «أوبل أوتوموبيل» ومجمّع «آ جي أم هولدينغ» الجزائري، بهدف توطين إنتاج أول محرّك لعلامة «أوبل» في الجزائر، وفق نموذج صناعي يقوم على التصنيع المحلي لتلبية احتياجات السوق الوطنية.
وتهدف هذه المذكّرة إلى تصنيع المحرّكات محلياً، ما يشكّل نقلة نوعية في مسار صناعة السيارات بالجزائر، من خلال نقل الخبرات الهندسية الألمانية، ورفع نسبة الإدماج الصناعي في قطاع الميكانيك، وخلق منظومة متكاملة من المؤسّسات المحلية القادرة على الاندماج في سلاسل التوريد العالمية الخاصة بعلامة «أوبل».
وبموجب هذا المشروع، تستعد «أوبل» لأن تصبح أول مصنع سيارات ينتج محرّكاته محلياً في الجزائر، الأمر الذي يعزّز مكانة البلاد كقطب إقليمي لصناعة السيارات والمكونات الميكانيكية، ويهيّئها لتكون قاعدة إنتاج وتصدير نحو الأسواق الإفريقية، التي تشهد طلباً متزايداً على الصناعات الميكانيكية.
جيــل جديــــد مــن المقاولاتيــــة
من جهتها، عبّرت الإدارة العليا لشركة «أوبل» عن ارتياحها لهذا التوجّه، مؤكّدة أنّ السوق الجزائرية تتمتّع بإمكانات كبيرة وجاذبية استثمارية مهمة في إطار استراتيجية التوسّع الدولي للمجموعة خارج أوروبا.
وأكّد الرئيس التنفيذي للمجموعة أنّ مذكّرة التفاهم تضع أسس تعاون طويل الأمد يهدف إلى خلق قيمة مضافة مستدامة، وتوسيع الاستفادة من الخبرة الهندسية الألمانية وحلول التنقل الحديثة.
وينسجم هذا المشروع مع الإرث الصناعي العريق لـ»أوبل»، التي تنتج المركبات في ألمانيا منذ سنة 1899، وتعد من الشركات الرائدة في تطوير طرازات متعدّدة الطاقات، بما فيها السيارات الكهربائية، وهو ما يفتح آفاقاً واعدة لنقل تقنيات التنقل المستدام إلى الجزائر مستقبلاً.
كما تعكس هذه الخطوة التقدم الذي أحرزته الجزائر في ترسيخ موقعها كوجهة استثمارية صناعية قائمة على نقل التكنولوجيا، وتوطين الكفاءات، وبناء شراكات متوازنة مع كبريات العلامات العالمية. وتؤشّر هذه الديناميكية إلى انتقال الصناعة الوطنية من مرحلة التجميع إلى مرحلة التصنيع الحقيقي ذي القيمة المضافة المرتفعة.
ويرى متابعون أنّ توطين صناعة المحرّكات لن يكون مجرّد مشروع صناعي تقني، بل محرّكاً فعلياً للتنمية الاقتصادية، لما يوفّره من فرص لظهور جيل جديد من المقاولين، وتأهيل المؤسّسات الناشئة للاندماج في سلاسل القيمة العالمية، وتعزيز الاعتماد على الكفاءات الوطنية في الصناعات المتقدمة.
ومع انضمام «أوبل» إلى جانب «فيات» ضمن مشاريع التصنيع في الجزائر، تتعزّز ملامح مشروع وطني لبناء قاعدة صناعية ميكانيكية متطورة تقوم على نسب إدماج مرتفعة، وتستفيد من توفّر المواد الأولية، واليد العاملة المؤهّلة، وتكاليف الطاقة التنافسية، وهي عوامل تجعل الجزائر مرشّحة للاضطلاع بدور صناعي متنامٍ في المنطقة خلال السنوات المقبلة.




