فقدت السّاحة الفنية الجزائرية، نهاية الأسبوع، واحدا من أبرز الأصوات التي صنعت جزءا من الذاكرة الموسيقية الوطنية، بوفاة الفنان محمد الغازي، المعروف فنيا باسم “الغازي”، عن عمر ناهز الثمانين عاما، بعد مسيرة امتدّت لأكثر من ستة عقود، ترك خلالها رصيدا من الأغاني التي ما تزال تتردّد على ألسنة الجزائريين.
شكّل “الغازي” على مدى عقود أحد الأصوات التي ارتبطت بالوجدان الشعبي، وتميّز بأسلوبه الخاص في أداء الأغنية العاطفية والشعبية، محافظا على حضوره الفني رغم تعاقب الأجيال وتغيّر الأذواق، وقد ترك إرثا فنيا ظل شاهدا على مرحلة زاخرة بالإبداع، وأسهم في إثراء المكتبة الموسيقية الجزائرية بأعمال ما تزال تحتفظ بمكانتها في ذاكرة الجمهور.ولد محمد الغازي سنة 1946 بمدينة بجاية، وظهرت موهبته الفنية منذ سن مبكرة، قبل أن يتتلمذ على يد الشيخ الصادق البجاوي، أحد أعلام الموسيقى الأندلسية، وهو ما أكسبه تكوينا موسيقيا رصينا انعكس على أسلوبه في الأداء والاختيارات اللحنية.استطاع الغازي أن يشق طريقه في الأغنية الجزائرية العصرية، محافظا على خصوصيته الفنية، فجمع بين رصانة التكوين الموسيقي وبساطة الكلمة وجمال اللحن. وتميز بصوت دافئ وأداء هادئ جعل أغانيه قريبة من وجدان الجمهور، خاصة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
ومن أشهر أعماله أغنية “ما حلى دي العشية” التي تحولت إلى واحدة من كلاسيكيات الأغنية الجزائرية، إلى جانب أغنيات أخرى مثل “اشطح اشطح اطاوس”، و«يا بنت الجار”، و«البابور”، وهي أعمال لا تزال تحظى بحضور في الإذاعات والبرامج الفنية.وفي سنة 2023، حظي الفنان الراحل بتكريم من المسرح الوطني الجزائري “محي الدين بشطارزي”، اعترافا بإسهاماته في خدمة الأغنية الجزائرية وإثرائه للمشهد الفني على مدار سنوات طويلة، وهو التكريم الذي اعتبره كثيرون عربون وفاء لفنان ظل مخلصا لفنه وجمهوره.
وإذ تفقد الساحة الفنية الجزائرية واحدا من الأصوات التي ارتبطت بمرحلة ذهبية من تاريخ الأغنية الوطنية، فإن الفنانين الكبار لا يغيبون حقا، إذ تظل أعمالهم شاهدة على مسيرتهم، وتبقى ألحانهم وكلماتهم حاضرة في الذاكرة الجماعية، تتناقلها الأجيال جيلا بعد جيل.
لقد استطاع الغازي بصوته الدافئ وأدائه الصادق، أن يحجز لنفسه مكانة خاصة في قلوب الجزائريين، وأن يترك رصيدا فنيا يشكّل جزءا من التراث الغنائي الوطني. وسيظل اسمه حاضرا في سجل الأغنية الجزائرية، بوصفه فنّانا حافظ على أصالة اللون الجزائري، وأسهم في إثراء المكتبة الموسيقية بأعمال ما تزال تحتفظ ببريقها رغم مرور السنوات.





