التكامــــل القــاري لبنـــاء اقتصــــاد إفريقي قـوي ومستـــدام
أبرز أستاذ الاقتصاد بجامعة وهران 2، حسين بن قندوز، أن الجزائر تواصل تأكيد التزامها بدعم مسار التكامل الإفريقي، انطلاقا من قناعتها بأن ازدهار القارة السمراء لا يتحقق إلا بتكاتف جهود دولها، وأن التجارة البينية تمثل أحد أهم المفاتيح لبناء إفريقيا أكثر قوة، وأكثر قدرة على تحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ سيادتها الاقتصادية في عالم يتجه نحو مزيد من التكتلات والتنافس.
اعتبر الأستاذ، بن قندوز، التجارة البينية الإفريقية مشروع حضاري متكامل يرتبط بمستقبل السيادة الاقتصادية للقارة السمراء، وبقدرتها على امتلاك قرارها التنموي بعيدا عن دوائر الهيمنة الاقتصادية التقليدية، ولم تعد مجرد آلية لتبادل السلع والخدمات.
وأشار إلى أن التحدي الحقيقي الذي يواجه إفريقيا لا يتمثل في نقص الموارد، بل في كيفية استغلالها وتحويلها إلى تنمية مستدامة، موضحا أن القارة السمراء تملك كل المقومات التي تؤهلها أن تكون من أكبر القوى الاقتصادية العالمية، غير أن الاستفادة من هذه الإمكانات لا تزال دون المستوى المطلوب.
وأكد أستاذ الاقتصاد أن الجزائر أصبحت من أبرز الدول الداعمة لمسار التكامل الاقتصادي الإفريقي، مستشهدا بالطبعة الرابعة لمعرض التجارة البينية الإفريقية التي احتضنتها الجزائر في سبتمبر 2025، والتي عرفت مشاركة أكثر من 200 شركة واستقطبت نحو 35 ألف زائر، إلى جانب توقيع مجموعة من الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية التي عززت التعاون بين المتعاملين الاقتصاديين من مختلف الدول الإفريقية.
ويعكس هذا النجاح، حسبه، المكانة التي أصبحت تحتلها الجزائر داخل القارة، بفضل سياستها القائمة على تشجيع الاستثمار، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الربط بين الأسواق الإفريقية، فضلا عن انخراطها في تنفيذ اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي تعد أكبر منطقة تجارة حرة في العالم من حيث عدد الدول المشاركة.
وبالرغم من امتلاك إفريقيا إمكانات ضخمة، إلا أن الواقع الاقتصادي -حسب المتحدث- لا يزال يعكس مفارقة واضحة، إذ أن القارة تضم احتياطيات هائلة من النفط والغاز والذهب واليورانيوم والكوبالت والليثيوم والمنغنيز والفوسفات، كما تحتوي على مساحات زراعية شاسعة وموارد مائية وبشرية كبيرة، لكن الجزء الأكبر من هذه الثروات يغادر القارة في شكل مواد خام، قبل أن يعود إليها في صورة منتجات مصنعة بأسعار مرتفعة.
وأشار الأستاذ بن قندوز إلى أن هذه المعادلة جعلت القيمة المضافة والثروة الحقيقية وفرص العمل تخلق خارج إفريقيا، بينما تستمر العديد من الدول الإفريقية في مواجهة تحديات البطالة وضعف التصنيع وهشاشة اقتصاداتها، موضحا أن استمرار هذا النموذج الاقتصادي يعني استمرار التبعية، وهو ما يفرض على الدول الإفريقية تسريع خطواتها نحو بناء قاعدة صناعية مشتركة، وتشجيع الاستثمار في التحويل الصناعي، ورفع مستوى المبادلات التجارية داخل القارة.وذكر أن العديد من الدراسات الاقتصادية تشير إلى أن نسبة التجارة البينية الإفريقية لا تزال من بين الأضعف عالميا، إذ تتراوح في حدود 15 إلى 18 بالمائة من إجمالي تجارة القارة، مقابل نسب تفوق 60 بالمائة في أوروبا، ونحو 50 بالمائة في آسيا، وهو ما يبرز حجم الإمكانات غير المستغلة داخل السوق الإفريقية.وأوضح بن قندوز أن تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية من شأنه أن يرفع المبادلات التجارية بشكل تدريجي، وأن يساهم في استحداث مناصب العمل، وزيادة الاستثمارات، وتعزيز التصنيع، وفتح أسواق جديدة أمام المؤسسات الإفريقية، كما أن إزالة الحواجز الجمركية وغير الجمركية، وتطوير شبكات النقل والسكك الحديدية والموانئ، وربط الدول الإفريقية بممرات لوجستية حديثة، قال إنها “من أهم الشروط لإنجاح مشروع التكامل الاقتصادي القاري”.
بالمقابل، أكد بن قندوز أن تحقيق التنمية لا يقتصر على الحكومات وحدها، بل يتطلب مساهمة الجامعات ومراكز البحث والخبراء، باعتبارها فضاءات لإنتاج الأفكار والحلول التي تساعد على بناء نموذج اقتصادي جديد يتلاءم مع احتياجات القارة.
وأوضح أن الجامعة الجزائرية مدعوة إلى لعب دور أكبر في مرافقة التحولات الاقتصادية، من خلال تقديم الدراسات والبحوث التي تخدم مشاريع التنمية والتكامل الإفريقي، وربط البحث العلمي باحتياجات الاقتصاد الحقيقي.
وأشار إلى أن مختلف المؤشرات الاقتصادية تجمع على أن إفريقيا تمتلك فرصة تاريخية لإعادة رسم موقعها في الاقتصاد العالمي، خاصة مع امتلاكها أكبر نسبة من الشباب، واحتياطيات ضخمة من المعادن الضرورية للتحول الطاقوي والصناعات الرقمية، إضافة إلى سوق تضم أكثر من 1.4 مليار مستهلك.




