مرحلــة جديـــدة عنوانهـــا الرقمنـــــة وإحصـــاء أكـــــثر مــن 400 نشــــاط
في حوار مع “الشعب”، يتحدث مدير غرفة الصناعة التقليدية والحرف لولاية البليدة، سعدي آيت زورق، عن أبرز ملامح المدونة الجديدة للحرف، وآليات الرقابة على المنتجات الحرفية، خاصة الزيوت الأساسية والطبيعية، ومستقبل بطاقة الحرفي الرقمية، إلى جانب واقع التكوين في الأكلات التقليدية، والدور المنتظر من البلديات في دعم الحرفيين باعتبارهم يدا عاملة مؤهلة وقادرة على المساهمة في تنويع الاقتصاد الوطني.
– ”الشعب”: مدونة الحرف… هل تمّ تحيينها على مستوى الوصاية؟
سعدي أيت زورق: مدونة نشاطات الصناعة التقليدية تضمّ حاليا 339 حرفة، وكان آخر تحيين لها سنة 2004، وتتوزع على 75 حرفة في الصناعة التقليدية الفنية، و132 حرفة لإنتاج المواد، و132 حرفة في الخدمات. غير أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور تخصّصات جديدة لم تكن موجودة آنذاك، مثل الدهان العصري، وألواح الجبس، والديكور المنزلي، والطبخ التقليدي، وهو ما جعل الحرفيين يطالبون بإدراج تخصّصاتهم بشكل واضح في بطاقة الحرفي.
ولهذا الغرض، شكلت الوزارة لجنة مختصة أنجزت مراجعة شاملة للمدونة، مع دراسة مختلف المهن المستحدثة، كما تمّت مراجعة بعض الحرف التي أثارت إشكالات قانونية، مثل صناعة الأسنان الاصطناعية وتصليح النظارات، بعد تسجيل تجاوزات في ممارسة أنشطة تدخل ضمن اختصاصات طبية. بعض الحرف ضبطها يستدعي استشارة قطاعات أخرى مثل قطاع الصحة مثلا لأن هناك حرفة صناعة الأسنان الاصطناعية لكنها مجمّدة وهذا بعدما لاحظوا بأن أصحاب هذه الحرفة أصبحوا يزاولون نشاط طبيب الأسنان.
كانت هناك حرفة في السابق في تصليح النظارات لكن أصحابها تحولوا إلى أطباء عيون لدرجة أنهم يضعون القياس للمرضى ويزودونهم بالنظارات. ومن المنتظر أن تضم المدونة الجديدة أكثر من 400 حرفة، مع استحداث تخصّصات جديدة ودمج أخرى متشابهة، مثل المخبوزات والمعجنات. وحسب المعلومات المتوفرة لدينا، فإن مشروع المرسوم يوجد حاليا على مستوى الأمانة العامة للحكومة.
– الناشطون في مجال الزيوت الأساسية والطبيعية يشتكون من الدخلاء.. كيف يمكن ضبط هذا النشاط؟
منح بطاقة الحرفي في هذا المجال يخضع لشروط دقيقة، أهمها امتلاك المؤهلات العلمية أو الخبرة المهنية المثبتة قانونا. كما يخضع النشاط لرقابة مشتركة بين مديرية التجارة ومفتشي الصناعة التقليدية، إضافة إلى مصالح السياحة.
فمديرية التجارة تراقب مطابقة الزيوت للمعايير الصحية، لأن هذه المنتجات قد تشكل خطرا على صحة المستهلك إذا كانت غير مطابقة، ولهذا يشترط على المنتج تقديم شهادات التحاليل المخبرية. كما يقوم مفتشو السياحة بمراقبة الحرفيين والتأكد من حيازتهم بطاقة الحرفي وشهادات التحاليل، وفي حال ثبوت الغش أو مخالفة التشريع يمكن سحب بطاقة الحرفي، خاصة إذا صدر حكم قضائي في حقّه
– طالب بعض الحرفيين بتصنيف أكلات تقليدية.. هل ستأخذ المدونة الجديدة ذلك بعين الاعتبار؟
من حيث النشاط الحرفي، يفترض أن يدرج تحضير هذه الأكلات ضمن الحرف الخاصة بالأطباق التقليدية، لكن تصنيفها وطنيا أو دوليا كموروث ثقافي يدخل ضمن صلاحيات وزارة الثقافة، التي نجحت سابقا في تسجيل الكسكس ضمن قائمة التراث غير المادي لليونسكو، كما سجّلت لباس “الكاراكو” ضمن التراث الجزائري. أما بالنسبة لأكلات محلية مثل “طبق الحمامة” أو “مقارون لعمى”، فإن الأمر يتطلب مبادرات من الباحثين والجمعيات المختصة لإعداد ملفات علمية يمكن لوزارة الثقافة تبنيها مستقبلا.
– هناك عودة قوية للأكلات التقليدية، لكن المشكلة تبقى في نقص اليد العاملة.. هل لديكم برنامج للتكوين؟
بالفعل، هناك إقبال متزايد على الأكلات التقليدية باعتبارها صحية وتحافظ على الهوية الوطنية، ونحن نشجع الحرفيين على المشاركة في المعارض للتعريف بمنتجاتهم وحتى الإقبال على اللباس التقليدي في المناسبات أصبح حقيقة أيضا. أما بخصوص التكوين، فنحن ننتظر صدور المدونة الجديدة التي ستعترف بحرفة الطبخ التقليدي حتى نتمكّن من تنظيم دورات متخصّصة. كما ننظم حاليا دورات في إنشاء وتسيير المؤسسات والتسويق، لأن نجاح الحرفي لا يتوقف عند إتقان المهنة فقط، وإنما يتطلب أيضا معرفة أساليب التسويق الحديثة، واستغلال وسائل التواصل الاجتماعي لبناء شبكة زبائن وضمان مردودية اقتصادية لمشروعه.
– إلى أين وصل مشروع بطاقة الحرفي الرقمية؟
تضمّ ولاية البليدة حاليا 13.145 حرفيا، تشكل النساء 22 بالمائة منهم، بينما تتركز الأغلبية في قطاع الخدمات، وتبقى الفئة العمرية بين 35 و45 سنة الأكثر حضورا. كما سجلنا في السنوات الأخيرة إقبالا متزايدا من خريجي الجامعات، خاصة في تخصّصات صناعة الزيوت الطبيعية، ومواد التجميل، والبستنة، والخياطة الرقمية، وهي مؤشرات إيجابية تعكس تطور القطاع.
أما بطاقة الحرفي الرقمية فقد شرعنا في العمل بها منذ سنتين، وتمّ إلى غاية اليوم تسليم نحو خمسة آلاف بطاقة. وتمنح هذه البطاقة عدة امتيازات، منها ممارسة النشاط بصفة قانونية، والاستفادة من التغطية الاجتماعية والتقاعد، إضافة إلى المشاركة في المعارض والمسابقات الوطنية. كما نعمل حاليا على إطلاق منصة إلكترونية تسمح للحرفي بإيداع ملفه كاملا عن بعد، وإرسال الوثائق المطلوبة إلكترونيا دون الحاجة إلى التنقل.
– أنجزتم خطوات مهمة في الرقمنة، سواء من خلال التكوين أو المتجر الإلكتروني…
قطاع الصناعة التقليدية مطالب اليوم بمواكبة التحوّل الرقمي، ولهذا أولينا هذا الجانب أهمية كبيرة في ولاية البليدة. وأطلقنا منذ أكثر من سنة ونصف متجرا إلكترونيا مجانيا لفائدة الحرفيين، حيث يمكن لكل من يحمل بطاقة حرفي رقمية عرض منتجاته والترويج لها مجانا، مع وضع بيانات الاتصال الخاصة به. وقد حقق هذا المشروع نتائج مشجعة، خاصة بعد تكثيف عمليات التعريف به، حيث يشهد اليوم إقبالا متزايدا من الحرفيين.
– رغم هذه الجهود، لا يزال الحرفيون يشتكون من نقص المحلات؟
بدار الصناعة التقليدية بأولاد يعيش نستغل 20 محلا لفائدة 20 حرفيا، لكن يجب التمييز بين الحرف التي تحتاج إلى محل، وتلك التي يمكن ممارستها في المنزل أو لدى الزبون. هناك حرفيون يحققون مداخيل معتبرة دون امتلاك محلات، كما هو الحال بالنسبة لبعض الناشطين في صناعة الزيوت الطبيعية والأساسية، وفي هذا المجال لدينا حرفية تزاول عملها في بيتها وتجني 15 مليون شهريا وأخبرتني بأنها لا تبحث عن محل بل عن مكان لتسويق منتجاتها أي المعارض.
غير أن الحرف المهددة بالاندثار، مثل صناعة السلال والقفاف، تحتاج فعلا إلى فضاءات للتسويق، لأن أصحابها يبيعون منتجاتهم بأسعار زهيدة للوسطاء الذين يعيدون بيعها بأضعاف قيمتها. ومن هذا المنبر، أجدد ندائي إلى البلديات من أجل استغلال المحلات البلدية المغلقة ومنحها للحرفيين الحقيقيين بإيجار رمزي، بما يسمح لهم بتطوير نشاطهم، وفي الوقت نفسه يضمن مداخيل إضافية للجماعات المحلية.
– قانون الجماعات المحلية الجديد يمنح للبلديات دورا اقتصاديا أكبر.. هل يمكن أن ينعكس ذلك على الحرفيين؟
بالتأكيد.. أدعو رؤساء البلديات إلى الاعتماد على الحرفيين في إنجاز المشاريع الصغيرة، مثل طلاء المدارس، وإصلاح الإنارة، وتهيئة الأرصفة، بدلا من اللجوء في كل مرة إلى مؤسسات كبيرة. فقانون الصفقات العمومية يتيح تخصيص نسبة من الطلب العمومي لفائدة الحرفيين، وهو ما سيمكنهم من استحداث مناصب شغل والمساهمة في التنمية المحلية.
ولدينا على المستوى الوطني نحو 460 ألف حرفي يمثلون ثروة اقتصادية حقيقية، بينهم مختصون في رسكلة النفايات، والبستنة، والعديد من الحرف الواعدة، وهو ما يستدعي منحهم المكانة التي يستحقونها كشريك أساسي في الاقتصاد الوطني.






