يعد الأستاذ كمال بداري عالم فيزياء ورياضيات وجيوفيزياء، امتدت مسيرته العلمية المتميزة لأكثر من ثلاثة عقود. وعلى الرغم من أنه يعرف اليوم على نطاق واسع بقيادته البارزة بصفته وزيرا للتعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر، إلا أن سمعته الأكاديمية الدولية قد ترسخت من خلال إسهاماته المهمة في الجيوفيزياء، والفيزياء الرياضية، وعلم الزلازل، ومعالجة الإشارات الجيوفيزيائية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في علوم الأرض. فلطالما كان عمله يجمع بين التحليل النظري الدقيق والتطبيقات العملية في التنبؤ بالزلازل، واستكشاف النفط، والتعليم العلمي، غير أنه قام بتوسيع نطاق أبحاثه ليشمل عدة مجالات أخرى من الفيزياء الحديثة، بما في ذلك الإلكترونيات الدورانية “المغزلية” (Spintronics) والمواد الجديدة، التي درسها باستخدام طرائق المحاكاة القائمة على الميكانيكا الكمومية. وبأكثر من سبعين منشورا علميا، وعديد من الكتب، وعدد كبير من الاستشهادات العلمية بأبحاثه، يواصل البروفيسور بدّاري تقديم إسهامات راسخة في كل من العلوم الأساسية والعلوم التطبيقية.
السير ديفيد كلاري
إن أهم الإنجازات العلمية للبروفيسور بدّاري تتمثل في أبحاثه المتعلقة بالمؤشرات السابقة للزلازل. فقد درس كيفية تصرف الصخور تحت تأثير الإجهاد الميكانيكي المتزايد قبل حدوث الانهيار الكارثي. هذا وقد قام من خلال تجاربه بقياس الانبعاثات الصوتية، والإشارات الكهرومغناطيسية، وغيرها من المعلمات الفيزيائية المتولدة أثناء التشوه المخبري لعينات صخرية كبيرة. وقد أظهرت هذه الدراسات أن هناك تغيرات قابلة للقياس تحدث قبل حدوث الانكسارات، كما افترضت إلى أنه قد تجري عمليات مماثلة داخل القشرة الأرضية قبل وقوع الزلازل الكبرى. وقد أسهم هذا النهج التجريبي في تحسين الفهم العلمي للتسلسل المعقد للأحداث التي تقود إلى الانكسارات الزلزالية، كما أسهم في دعم الأبحاث الدولية المتعلقة بالتنبؤ بالزلازل.
وقد ارتبط بحث البروفيسور بدّاري حول البنى الكسرية في الحقول الجيوفيزيائية بهذا بشكل وثيق. فقد طور نماذج رياضية تصف الطبيعة الكسرية للعمليات الزلزالية. وأثبتت دراساته وجود أوجه تشابه بين انكسارات الصخور على المستوى المخبري والزلازل الطبيعية الكبرى، مما يدعم مفهوم التشابه الذاتي عبر نطاقات متعددة جدا. وقد ساعدت هذه الدراسات على ربط الجيوفيزياء النظرية بعلم الزلازل الرصدي، كما وفرت أدوات رياضية جديدة لتحليل الأنظمة الجيولوجية المعقدة.
كما قدم البروفيسور بدّاري إسهامات مهمة في مجال الجيوفيزياء الحاسوبية من خلال إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى تفسير البيانات الزلزالية والتنقيب عن النفط. ففي وقت كانت فيه أساليب التعلم الآلي لا تزال في بداية اعتمادها في علوم الأرض، قام هو وزملاؤه بتطوير مقاربات تعتمد على الشبكات العصبية الاصطناعية للانعكاس الزلزالي وتقدير الممانعة الصوتية وترشيح البيانات الزلزالية. وقد حسنت هذه الأساليب من استخراج المعلومات الجيولوجية من المسوح الزلزالية، مما أتاح الحصول على تقديرات أكثر موثوقية لخصائص الصخور الموجودة تحت سطح الأرض. ولذلك أصبحت أبحاثه المتعلقة بالانعكاس الزلزالي المعتمد على الشبكات العصبية والتنبؤ بالممانعة الصوتية من أكثر الأبحاث استشهادا بها في مجال الجيوفيزياء النفطية، لأنها أثبتت أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي قادرة على التفوق على عديد من تقنيات الانعكاس التقليدية عند التعامل مع البنى الجيولوجية المعقدة.
يمثل توصيف المكامن النفطية في حقول المحروقات الجزائرية أحد المجالات الرئيسة الأخرى في أبحاث البروفيسور بدّاري. فقد طور فريقه البحثي أساليب حاسوبية متقدمة للتنبؤ بالمسامية، والنفاذية، وكثافة التشققات اعتمادا على القياسات التقليدية لسجلات الآبار.
وباستخدام الشبكات العصبية، والمنطق الضبابي، والتحليل الإحصائي متعدد المتغيرات، أنشأ الفريق نماذج تنبؤية قادرة على تقدير خصائص المكامن التي كان يتطلب تحديدها إجراء قياسات مخبرية مكلفة. تكتسب هذه التقنيات أهمية عملية لأنها تحسن عمليات استكشاف وإنتاج المحروقات مع خفض التكاليف. إن عمله على مكامن النفط في منطقتي حاسي مسعود وحاسي الرمل في الجزائر يعد إسهاما مهما في تطوير الجيوفيزياء البترولية في شمال أفريقيا.
خلال مسيرته الأكاديمية، أشرف البروفيسور بدّاري على أكثر من مائة طالب في مشاريع بحثية لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه. ومن خلال هذا الإشراف المكثف، أسهم في تكوين جيل من العلماء الجزائريين العاملين في مجالات الجيوفيزياء، وهندسة البترول، والرياضيات التطبيقية، والفيزياء، والعلوم الحاسوبية.
كما بحث البروفيسور بدّاري عن طرائق للحد من الضوضاء في البيانات الجيوفيزيائية. فكثيرا ما تتعرض المسوح الزلزالية لتشويش ناجم عن العوامل البيئية والأجهزة المستخدمة، مما يحجب الإشارات الجيولوجية المهمة. ومن خلال تطوير مرشحات الانتشار غير الخطي، وتقنيات الترشيح بالترتيب الرتبي، وخوارزميات الشبكات العصبية الاصطناعية، أثبتت أبحاثه فعالية أساليب متقدمة لتحسين الصور الزلزالية مع الحفاظ على البنى الجيولوجية المهمة. وقد وجدت هذه الابتكارات في معالجة الإشارات تطبيقات عملية في استكشاف النفط والغاز، والجيوفيزياء البيئية، والتحقيقات الهندسية.
وإلى جانب أبحاثه المنشورة، قدم البروفيسور بدّاري إسهامات كبيرة من خلال مؤلفاته العلمية التي أسهمت في تعليم أجيال من العلماء والمهندسين. فقد أصبحت كتبه التعليمية مراجع واسعة الاستخدام. ذلك أنها تمتاز بجمعها بين الرياضيات الدقيقة والتطبيقات العملية في الجيوفيزياء، مما جعلها تسهم في تعزيز التعليم العلمي المتقدم داخل الأوساط الأكاديمية الناطقة بالعربية والفرنسية. ومثال ذلك كتابه الشهير الموسوم بـ “الزلازل والتنبؤ بها” “Les Séismes et leur Prévision”، الصادر سنة 2002، والذي يعد خلاصة لعقود من الأبحاث الدولية في مجال التنبؤ بالزلازل، والذي يعكس اهتمامه العلمي الممتد طوال حياته بفهم الأخطار الزلزالية.
ولعلّ أهم السمات البارزة في الأعمال العلمية للبروفيسور بدّاري طابعها المتعدد التخصصات. فبدلا من التعامل مع الرياضيات، والفيزياء، وعلوم الحاسوب، والجيولوجيا باعتبارها تخصصات منفصلة، دأب على دمجها بصورة متكاملة لحل المشكلات العلمية التطبيقية. ولذلك تجمع بحوثه بين النمذجة الرياضية، وميكانيكا الصخور التجريبية، والذكاء الحاسوبي، ومعالجة الإشارات، والملاحظات الميدانية. هذا وقد استبقت هذه الفلسفة متعددة التخصصات عديدا من التطورات الحديثة في علوم نظام الأرض، حيث تستخدم طرائق حاسوبية متطورة بصورة متزايدة لتحليل
الظواهر الطبيعية المعقدة. حتى أنه قام في وقت قريب جدا بنمذجة مواد تمتلك إمكانات مهمة للاستخدام في أنظمة الطاقة الشمسية مثل سبائك البيروفسكايت، مستخدما أحدث الطرائق القائمة على الميكانيكا الكمومية.
يمتد أثر أبحاث البروفيسور بدّاري إلى ما هو أبعد من منشوراته العلمية، فقد أسهم عمله حول استخدام الشبكات العصبية في الجيوفيزياء في تعزيز الاعتماد الأوسع للذكاء الاصطناعي في علوم الأرض، بينما لا تزال أبحاثه المتعلقة بالمؤشرات السابقة للزلازل تحتفظ بأهميتها بالنسبة للجهود الدولية المستمرة الرامية إلى فهم الأخطار الزلزالية.
وخلاصة القول، إن البروفيسور كمال بدّاري قد رسخ إرثا علميا متميزا من خلال أبحاث رائدة في فيزياء الزلازل، ومعالجة الإشارات الجيوفيزيائية، والذكاء الاصطناعي، وعلوم الأرض البترولية، والفيزياء الحاسوبية. وقد أسهمت أعماله في تطوير فهم الظواهر الزلزالية، وإدخال أساليب حاسوبية مبتكرة إلى الاستكشاف الجيوفيزيائي، وتعزيز التعليم العلمي من خلال مؤلفاته المرجعية المؤثرة وإشرافه الواسع على الباحثين الشباب. وبالقدر نفسه من الأهمية، تظهر أعماله كيف يمكن الجمع بين الطرق الرياضية الدقيقة والتطبيقات العملية لمعالجة مشكلات ذات أهمية علمية ومجتمعية رئيسة.
تعد مسيرة البروفيسور كمال بدّاري مثالا بارزا للإنجاز العلمي متعدد التخصصات والقيادة العلمية على المستويين الأفريقي والدولي في مجال الجيوفيزياء. ومن النادر جدا رؤية وزير للتعليم العالي والبحث العلمي وهو يمتلك مثل هذه المؤهلات العلمية الرفيعة التي اكتسبها من خلال أبحاثه العلمية الأصيلة.————————*المستشار الأوّل لمشروع العلوم والتكنولوجيا والبيئة بجامعة أكسفورد – المملكة المتحدة، زميل الجمعية الملكية البريطانية، الرئيس الفخري لكلية ماغدالين بجامعة أكسفورد، والمستشار العلمي الرئيس السابق لوزارة الخارجية وشؤون الكومنولث البريطانية.







