تمضي الجزائر بخطى متسارعة في تجسيد تحول نوعي في بنيتها التحتية، واضعة السكك الحديدية في صلب رؤية اقتصادية جديدة تقوم على ربط مناطق الإنتاج بالأسواق، وتثمين الثروات الوطنية، وتعزيز التكامل بين مختلف جهات الوطن.
يبرز مشروعان استراتيجيان، هما خط السكة الحديدية المنجمي بلاد الحدبة ـ وادي الكبريت ـ ميناء عنابة، والخط الرابط بين شمال البلاد وتمنغست مرورا بالأغواط وغرداية والمنيعة وإن صالح.
وخلال اجتماع مجلس الوزراء الأخير، أكد رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، أهمية المشروعين، حيث ثمّن وتيرة إنجاز الخط المنجمي، مع التأكيد على احترام الآجال والانطلاق في الإنتاج في مارس 2027، فيما وصف خط تمنغست بأنه «أولوية الأولويات»، موجها بتركيز الجهود لتسليمه ودخوله الخدمة نهاية 2028.
«مشروع القرن» نحو الجنوب
يمثل الخط السككي الرابط بين شمال البلاد وتمنغست مشروعا استراتيجيا يتجاوز وظيفته في مجال النقل، بالنظر إلى امتداده الجغرافي وآثاره الاقتصادية والاجتماعية والتنموية. فمن خلال ربط الأغواط وغرداية والمنيعة وإن صالح بتمنغست، يفتح المشروع آفاقا جديدة أمام حركة الأشخاص والبضائع والاستثمارات، ويضع مناطق الجنوب في قلب الدورة الاقتصادية الوطنية.
ويشكل إنجاز هذا الخط خطوة مهمة في تعزيز الترابط بين شمال البلاد وجنوبها، وتهيئة الظروف أمام إنشاء أقطاب اقتصادية جديدة، من خلال تقريب البنية التحتية من مناطق الإنتاج والثروة، وتحسين حركة السلع وتقليص تكاليف النقل، بما يرفع جاذبية المناطق الداخلية والجنوبية للاستثمار.
كما ينسجم المشروع مع توجه الدولة نحو تحقيق توازن أكبر في التنمية بين مختلف مناطق الوطن، من خلال بناء شبكة نقل متكاملة تتيح للسكان والمؤسسات الاستفادة من بنية تحتية حديثة، وتمنح النشاط الاقتصادي قدرة أكبر على الانتشار خارج المراكز الشمالية.
بوابة نحو العمق الإفريقي
ويحمل خط تمنغست أيضا بعدا إقليميا، بالنظر إلى موقع الجنوب الجزائري كبوابة نحو منطقة الساحل والعمق الإفريقي. ومن شأن تعزيز الربط السككي مع أقصى الجنوب أن يدعم مستقبلا حركة المبادلات التجارية مع دول الجوار، ويساهم في تطوير المسارات اللوجستية العابرة للصحراء.
وتزداد أهمية هذا الدور مع توسع المشاريع الاقتصادية والاستثمارية في الجنوب، إذ يمكن لشبكة السكك الحديدية أن تشكل حلقة أساسية في نقل المنتجات والمعدات، وربط مناطق الإنتاج بمراكز التوزيع والأسواق، وتعزيز موقع الجزائر كمحور اقتصادي ولوجستي بين شمال إفريقيا وعمق القارة.
بلاد الحدبة.. من المنجم إلى الميناء
بالتوازي مع مشروع الجنوب، يتقدم إنجاز خط السكة الحديدية المنجمي بلاد الحدبة ـ وادي الكبريت ـ ميناء عنابة، الذي يجسد توجها يقوم على ربط الثروة المنجمية بمنظومة التحويل والإنتاج والتصدير.
ويكتسي المشروع أهمية خاصة في إطار تطوير الموارد المنجمية الوطنية، إذ يسمح بربط مناطق الإنتاج بالمنشآت الصناعية والميناء، وتوفير نقل أكثر انسيابية للمواد والمنتجات، بما يدعم بناء سلسلة قيمة تبدأ من استخراج الثروة وتنتهي بالتحويل والتسويق والتصدير.
وأكد رئيس الجمهورية أن الأشغال تسير بوتيرة إيجابية، مع تحديد مارس 2027 موعدا لبداية الإنتاج، وهو ما يجعل المشروع أحد المكونات الأساسية في استراتيجية تثمين الموارد الطبيعية وتعزيز مساهمتها في الاقتصاد الوطني.
المناجم رافعة للتنويع الاقتصادي
ولا تقتصر أهمية الخط المنجمي على نقل المواد الأولية، وإنما تمتد إلى دعم الصناعة التحويلية وتوسيع القيمة المضافة محليا. فربط المناجم بالوحدات الصناعية والموانئ يتيح تطوير سلاسل إنتاج متكاملة، ويعزز قدرة الجزائر على الاستفادة من مواردها الطبيعية في قطاعات متعددة. كما يرتبط المشروع بديناميكية تطوير صناعة الأسمدة، بما يربط بين المناجم والصناعة والفلاحة، ويعزز أهداف الأمن الغذائي ويدعم الإنتاج الوطني. ويمثل هذا التكامل أحد مداخل تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على المحروقات، عبر تطوير قطاعات المناجم والصناعة التحويلية والفلاحة.
السكة الحديدية.. أداة للسيادة الاقتصادية
وتكشف المشاريع السككية الكبرى عن تحول في النظرة إلى البنية التحتية، من مجرد وسيلة للنقل إلى أداة لدعم الإنتاج والاستثمار والتصدير. فخط تمنغست يعزز الاندماج الترابي ويفتح الجنوب على الاقتصاد الوطني والفضاء الإفريقي، بينما يربط خط بلاد الحدبة الثروة المنجمية بسلسلة التحويل والموانئ والأسواق.
ومع دخول مشروع بلاد الحدبة مرحلة الإنتاج في مارس 2027، واستهداف تشغيل خط تمنغست نهاية 2028، تقترب الجزائر من تجسيد محاور أساسية في رؤيتها لبناء اقتصاد أكثر تنوعا، تكون فيه السكك الحديدية رافعة لتثمين الموارد، وتوسيع الاستثمار، وتعزيز المبادلات، وترسيخ مكانة البلاد كقوة اقتصادية ولوجستية في محيطها الإفريقي.

