الكشـف عن ارتبــــاط عــدد مـن الحرائــــق بأفعــــال تخريبيـــة مخطــــط لهـا مسبقـــا
إثارة الفوضى ونشر روايات مغلوطة وكاذبـــــة عـــبر شبكــات التواصـــل الاجتماعــــي
أظهرت التحقيقات التي باشرتها المصالح الأمنية المختصة بشأن حرائق الغابات الأخيرة في شرق ووسط البلاد أن الجزائر تواجه تهديدات تتجاوز الكوارث المرتبطة بالظروف المناخية، بعدما كشفت التحريات الأولية عن أفعال إجرامية متعمدة استغلت ارتفاع درجات الحرارة وسرعة انتشار النيران لاستهداف أرواح المواطنين وممتلكاتهم، وإرباك مؤسسات الدولة، ونشر الخوف داخل المجتمع بشكل ممنهج ومقصود.
تشير سرعة تحديد هوية عدد من المتورطين وتوقيفهم إلى جاهزية أمنية سمحت بالتعامل مع الحرائق على مسارين متوازيين؛ الأول ميداني تولته الحماية المدنية والجيش الوطني الشعبي وبقية المصالح لإخماد النيران وإجلاء السكان وإسعاف المصابين، والثاني أمني وقضائي هدفه تحديد أسباب الحرائق وكشف الأشخاص والجهات التي تقف خلف الأفعال المتعمدة.
واعتمدت التحقيقات، بحسب المعلومات التي كشفت عنها المصالح المختصة، على استغلال كاميرات المراقبة ومقاطع الفيديو وعمليات المسح والتحليل، إلى جانب المعلومات التي قدمها المواطنون، وقد مكنت هذه الأدوات من كشف الخلفيات الإجرامية لعدد من الحرائق وتوقيف متورطين، تبين أن بعضهم تحرك بتأثير منظمات وأطراف تستهدف أمن الجزائر واستقرارها.
وفي سياق متصل، استرجع المحققون مقطع فيديو يوثق قيام شخص بإضرام النار في موقع أحد الحرائق، قبل رشق عناصر الحماية المدنية بالحجارة أثناء تدخلهم، مع تصريحه بتعاطفه مع المنظمة الإرهابية المسماة «ماك»، ويقدم هذا الدليل مؤشرا على ارتباط عدد من الحرائق بأفعال تخريبية مخطط لها مسبقا، استغلت الظروف المناخية لتهديد الأمن المجتمعي واستهداف الممتلكات والأرواح.
استجابة شاملة تتجاوز إخماد النيران
يرى العديد من الخبراء في مجال الدراسات الأمنية أن ما تعرضت له الجزائر خلال الحرائق الأخيرة يندرج ضمن أساليب الحروب الهجينة التي تقوم على استغلال الأزمات والظروف الطبيعية لتنفيذ جرائم ميدانية، ومرافقتها بحملات تضليل تستهدف التشكيك في قدرة المؤسسات على حماية المواطنين. وتمتد أهداف هذه الأساليب إلى إثارة الفوضى وضرب الثقة ونشر روايات مغلوطة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وقد تعاملت الدولة بسرعة مع مختلف جوانب الأزمة، إذ عقد رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، يوم 30 أوت، اجتماعا ضم مسؤولين عسكريين ومدنيين لاتخاذ الإجراءات اللازمة للتكفل بمخلفات الحرائق. وسبق الاجتماع تنقل رئيس الجمهورية إلى مستشفى الحروق الكبرى بزرالدة للاطمئنان على المصابين الذين تم إجلاؤهم من الولايات المتضررة، مع تأكيده وجود أياد إجرامية وإطلاق تحريات لتحديدها.
كما أمر رئيس الجمهورية بتعديل القانون الجنائي لإقرار عقوبة الإعدام مع التنفيذ ضد المتورطين في إضرام الحرائق عمدا، وهو توجه يعكس خطورة هذه الجرائم بالنظر إلى تهديدها المباشر لحياة المواطنين والأمن العام والثروة الغابية. وبالإضافة إلى الردع القانوني، تتطلب المواجهة الوصول إلى الجهات التي تخطط وتمول وتحرض، مع مواصلة ملاحقة المتورطين في الميدان.
وبالنسبة إلى التكفل بالمتضررين، عملت السلطات على إعادة تشغيل شبكات الكهرباء والغاز والماء والهاتف والإنترنت، وفتح الطرقات وإعادة تأهيل المرافق العمومية، لاسيما المدارس، بالنظر إلى تزامن الحرائق مع الدخول الاجتماعي. كما حددت تعليمات رئيس الجمهورية تاريخ 15 سبتمبر لاستكمال عملية التعويض، بما يسمح للعائلات باستعادة ظروفها العادية في أقرب وقت.
ويؤكد الخبراء أن فعالية أجهزة الدولة تحتاج إلى يقظة مجتمعية تساند العمل الأمني، من خلال الإبلاغ عن التحركات المشبوهة، وحماية الأدلة، وتجنب تداول المقاطع والمعلومات غير المؤكدة والمغلوطة، لاسيما وأن التضليل الرقمي تحول إلى جزء من الاعتداء عندما يستخدم لإرباك عمليات الإنقاذ أو نشر الذعر أو توجيه اتهامات دون أدلة.
وفي هذا السياق، قدم الجزائريون خلال هذه الحرائق صورة قوية عن التضامن المجتمعي، سواء بمساعدة فرق التدخل أو دعم العائلات المتضررة من مختلف أرجاء الوطن. ويظل تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة أساسيا في مواجهة الحروب الهجينة، لأن المجتمع الواعي والمتماسك يقلل من قدرة الجهات المعادية على استغلال الأزمات، ويحول المواطن إلى شريك فعلي في حماية الأمن الوطني.


