الانتقال مــن اقتصـاد الريـع والــواردات إلــــى ســيادة المُنتـج الوطني.. إنجــاز تحقّـــق
منظومـــة متكاملــة لحمايـــة الأمـــــن الغذائـي.. مقــدرات الجزائريـــــين خــطّ أحمــر
تبسيــط الإجــراءات ورقمنـــة المســار الاستثمــاري.. إسهـام فاعــل فـــي الجهــد التنمــوي
وضع رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، المؤسسة الاقتصادية والاستثمار المنتج في صميم التحوّل الاقتصادي الوطني، من خلال رؤية تستهدف الانتقال من اقتصاد يعتمد على الواردات والمحروقات إلى اقتصاد متنوّع تقوده الإنتاجية والقيمة المضافة والقدرة على التصدير. وتقوم هذه الرؤية على دعم الإنتاج الوطني، وتسريع وتيرة الاستثمار، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتبسيط الإجراءات ورقمنة المسار الاستثماري، مع توجيه الصناعة والفلاحة نحو تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي، وبناء اقتصاد أكثر تنافسية وقدرة على الصمود أمام التحوّلات والأزمات العالمية.
ولقد كشف اللقاء الدوري لرئيس الجمهورية مع المتعاملين الاقتصاديين عن تحول جذري في طريقة النظر إلى المؤسسة الوطنية ودورها في الاقتصاد، إذ لم تعد المؤسسة مجرد منفذ لنشاط اقتصادي تحكمه القرارات الإدارية، وإنما أصبحت عنصرا مركزيا في بناء الثروة وتحقيق النمو وتنويع مصادر الدخل، وتقوم هذه الرؤية على فكرة أساسية مفادها أن بناء اقتصاد قوي لا يتحقق بتوسيع الإنفاق أو استقطاب الاستثمارات في حد ذاتها، وإنما بتحويل الاستثمار إلى إنتاج فعلي، والإنتاج إلى قيمة مضافة، والقيمة المضافة إلى مناصب شغل وأسواق جديدة وقدرة على التصدير، وهنا تبرز أهمية التواصل المباشر مع المتعاملين الاقتصاديين، باعتباره وسيلة لربط القرار الاقتصادي بالواقع الميداني؛ فاللقاء لم يكتسب قيمته من عرض الانشغالات، وإنما من قدرته على تحويل الانشغالات إلى قرارات وإجراءات قابلة للتنفيذ، ومتابعة مدى تجسيدها على أرض الواقع.
ويفرض هذا التوجه إعادة ترتيب الأولويات داخل المنظومة الاقتصادية، بحيث يصبح نجاح السياسة الاستثمارية مرتبطا بمؤشرات ملموسة: المشاريع التي دخلت مرحلة الاستغلال، حجم الإنتاج الذي تحقق، مناصب الشغل المستحدثة، نسبة الإدماج المحلي، وحجم الصادرات التي تمكنت المؤسسات الجزائرية من تحقيقها؛ فالمشروع المسجل لا يصنع الثروة، والعقار الممنوح لا ينتج قيمة مضافة، والاستثمار المعلن لا يصبح إنجازا اقتصاديا إلا عندما يتحول إلى نشاط منتج ومستدام.
الاقتصـاد المنتـج.. اقتصــاد سيادي
تتجه رؤية رئيس الجمهورية نحو تقليص التبعية للواردات عبر توسيع قاعدة الإنتاج الوطني، وهي مقاربة تتجاوز مجرد خفض فاتورة الاستيراد إلى إعادة بناء العلاقة بين السوق الداخلية والمؤسسة الجزائرية، فكل منتج يتم تصنيعه محليا بكفاءة، يعني تقليصا للحاجة إلى الخارج، وكل مؤسسة قادرة على تطوير منتج منافس، تفتح إمكانية التصدير، وكل سلسلة إنتاج محلية ناجحة تخلق حولها شبكة من المؤسسات المناولة والخدمات والنقل والتكوين.وفي هذا السياق، يبرز تقليص الواردات بما يتراوح بين 40 و42 مليار دولار، إلى جانب بلوغ الإنتاج المحلي من الأدوية – على سبيل المثال – مستوى يغطي نحو 84 بالمائة من الاحتياجات الوطنية، باعتبارهما مؤشرين على إمكانية توسيع الإنتاج الداخلي عندما تتوافر البيئة المناسبة، خاصة وأن الاقتصاد القوي يقاس بما يستطيع إنتاجه بجودة وتكلفة تسمحان له بالمنافسة، ولذلك فإن التحدي يتمثل في الانتقال من سياسة إحلال الواردات إلى سياسة بناء القدرات الإنتاجية والتكنولوجية القابلة للاستمرار.ويمتد هذا الرهان إلى الفلاحة، حيث يشكل هدف تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي من الحبوب في أفق 2027 جزءا من تصور أوسع للأمن الغذائي؛ فالإنتاج الزراعي لا ينفصل عن التخزين والتحويل والنقل والتسويق، كما أن تحقيق الأمن الغذائي يتطلب بناء سلسلة متكاملة قادرة على تقليص حاجة البلاد أمام تقلبات الأسواق العالمية والمناخ.
مـن تسهيـل الإجراءات إلى صناعـة الفعاليــة
لا يمكن للاستثمار المنتج أن يتحقق داخل بيئة إدارية معقدة، ولهذا تكتسب آليات تبسيط الإجراءات ورقمنة المسار الاستثماري أهمية خاصة في الرؤية الاقتصادية الجديدة، ويأتي الشباك الوحيد الوطني للاستثمار ضمن هذا المسار، من خلال توحيد معالجة الملفات وتعزيز التنسيق بين الإدارات واعتماد مسار رقمي موحد، بما يساعد على تجاوز بعض العراقيل المرتبطة بالعقار الاقتصادي والتمويل والتراخيص.إن نجاح الإصلاح الإداري المرتبط بالاستثمار يتطلب تحديد المسؤوليات، وضبط آجال معالجة الملفات، وتبادل المعلومات بين الإدارات، ومتابعة المشاريع إلى غاية دخولها مرحلة الإنتاج، كما يتطلب الانتقال من منطق معالجة الملف إلى منطق مرافقة المشروع، لأن المستثمر لا يحتاج إلى الموافقة على مشروعه فقط، وإنما حاجته الماسة إلى بيئة تسمح له بتحويل هذه الموافقة إلى نشاط اقتصادي فعلي، وهو ما يتحقق في قرارات رئيس الجمهورية.وتظهر هنا أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما هي آلية لتجميع القدرات والخبرات وتطوير المشاريع الإنتاجية؛ فالقطاع الخاص يحتاج إلى وضوح واستقرار في القواعد، بينما تحتاج الدولة إلى مؤسسات قادرة على الاستثمار والمخاطرة والابتكار والمنافسة.
تتوّج الرؤية الاقتصادية لرئيس الجمهورية برهان كبير يتمثل في بناء اقتصاد يستطيع إنتاج الثروة خارج دائرة المحروقات، مع توجيه المؤسسات نحو الأسواق الخارجية وتعزيز حضور المنتجات الجزائرية، في الأسواق الدولية.
الصناعة والتصدير.. الانتقال إلى اقتصاد أكثر صمودا
ويشكل تطوير الصناعة الوطنية أحد مفاتيح هذا التحول، وفي هذا الإطار، يكتسب الهدف المعلن للوصول إلى إنتاج سيارة جزائرية في نهاية 2028 أهمية تتجاوز إنتاج المركبة نفسها، لأن الرهان الحقيقي يكمن في مستوى الإدماج المحلي وبناء صناعة مكونات قادرة على تغذية الإنتاج وتطوير شبكة وطنية من المؤسسات المناولة، فالصناعة لا تصبح وطنية بالعنوان، وإنما بعمق السلسلة الإنتاجية التي تنشئها، وكلما ارتفعت نسبة المكونات المصنعة محليا، ازدادت القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني، وتوسعت فرص التكوين ونقل التكنولوجيا وخلق المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالصناعة الكبرى، وهو ما يتحقق للاقتصاد الوطني باقتدار كبير.
الرهــان.. تحويـل الرؤيـة إلى نتائـج
تضع هذه المقاربة الاقتصاد الجزائري أمام مرحلة تختلف عن مرحلة بناء الإطار القانوني والمؤسساتي للاستثمار، فوجود القوانين والحوافز والهياكل يمثل شرطا ضروريا، لكنه لا يشكل النتيجة النهائية، والاختبار الحقيقي يبدأ عند التنفيذ: هل تتحول المشاريع إلى وحدات إنتاج؟ هل تتوسع المؤسسات الوطنية؟ هل ترتفع نسبة الإدماج المحلي؟ هل تنخفض التبعية للواردات دون الإضرار بتوازن السوق؟ هل تصبح المنتجات الجزائرية أكثر حضورا في الأسواق الخارجية؟ وهل تستطيع الإدارة مواكبة المستثمر بسرعة وفعالية؟
هذه الأسئلة تحدد جوهر المرحلة المقبلة، وهي عنوان التغيير في رؤية رئيس الجمهورية.. رؤية تأسست على إعادة توجيه الاقتصاد نحو الإنتاج، وجعل المؤسسة شريكا أساسيا في التنمية، وربط الاستثمار بالثروة والتشغيل والتصدير، مع الإبقاء على الدور الاجتماعي للدولة، وهي معادلة تسعى إلى الانتقال التدريجي من اقتصاد مسير إلى اقتصاد أكثر حرية وتنافسية، من دون التخلي عن مسؤولية الدولة في حماية التوازنات الاجتماعية والاقتصادية.وبذلك يصبح الحوار مع المتعاملين الاقتصاديين جزءا من مسار أوسع لإعادة بناء الثقة بين القرار الاقتصادي والميدان الإنتاجي، فكلما تحولت الانشغالات المطروحة إلى إجراءات واضحة، وكلما تحولت الإجراءات إلى مشاريع، والمشاريع إلى إنتاج، اقتربت الرؤية من هدفها الأساسي.وهذا هو جوهر الرهان الذي تضعه رؤية رئيس الجمهورية أمام المرحلة المقبلة: أن تصبح المؤسسة الجزائرية محركا فعليا للتنمية، وأن يتحول الاستثمار من مجرد تدفق مالي إلى قدرة إنتاجية، وأن يصبح الإنتاج الوطني قاعدة لاقتصاد قادر على خلق الثروة ومواجهة الأزمات والتحرك بثقة أكبر في الأسواق الدولية.


