جسّد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، منذ انتخابه رئيسا للبلاد، توجّهات ترمي إلى إعادة هيكلة النشاط الاقتصادي، للخروج من التبعية للمحروقات من أجل تحقيق اقتصاد ناشئ لا يتأثر بتقلبات أسعار النفط والغاز في السّوق الدولية، وذلك من خلال مباشرة إصلاحات اقتصادية حققّت نتائج متميّزة مقارنة بالظرف الوجيز الذي أنجزت فيه.
حققت الإصلاحات الاقتصادية التي أطلقها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، نتائج ملحوظة، بحسب الأرقام التي قدمتها مختلف المؤسسات الوطنية والدولية المختصة، وذلك بفضل تدابير تحفيز الاستثمار المنتج، وتطوير الصناعة والفلاحة، وترقية الصادرات خارج المحروقات، وإعطاء المؤسسات الناشئة والصغيرة والمتوسطة دورا أكبر في خلق القيمة المضافة. هذه التوجهات لتنويع الاقتصاد هي نتاج ضرورة استراتيجية تهدف إلى تحقيق الأمن الاقتصادي، وخلق الثروة ومناصب الشغل، وضمان استدامة التنمية وتحسين المستوى المعيشي للمواطنين. وهي التحديات التي رفعها السيد الرئيس وجدد التمسك بها لتحقيق أفضل النتائج بحلول السنة المقبلة باعتبار 2027 سنة مرجعية لبدء جني ثمار الإصلاحات التي باشرها، خصوصا بشأن الصادرات خارج المحروقات، ومعدل البطالة، وتدفقات الاستثمار المنجزة.
مؤشـرات خضــراء
تحمل المؤشرات الرسمية الصادرة عن الهيئات الحكومية الوطنية والمنظمات الدولية لعامي 2025 و2026 أرقاما تعكس الديناميكية الاقتصادية في مجالات التصدير، والتشغيل، والاستثمار، ففي مجال الصادرات خارج المحروقات سجلت قفزة متصاعدة ومستمرة، مدفوعة بزيادة الطلب على مواد البناء (الحديد والإسمنت)، الأسمدة، المنتجات الفلاحية (كالتمور)، والأجهزة الكهرومنزلية. وبلغت قيمه هذه الصادرات في سنة 2025 نحو 5 مليارات دولار وفق ما أعلنه رئيس الجمهورية. وتشير التقديرات الرسمية الصادرة عن وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات إلى نمو الصادرات بنسبة 16بالمائة خلال الثلاثي الأول من 2026 مقارنة بـ2025، وتتجه القيمة الإجمالية بنهاية السنة نحو تسجيل رقم قياسي جديد يتجاوز عتبة 7 مليارات دولار. وتستهدف الجزائر بناء قاعدة صناعية تصديرية مستدامة لبلوغ 30 مليار دولار بحلول عام 2030.
هذه الإصلاحات انعكست على عديد المؤشرات الاقتصادية الأخرى على غرار معدل البطالة الذي تراجع في 2025 عند 11.6 بالمائة، وفقا لتصريحات رسمية وطنية إلى ما بين 9.5 بالمائة و10 بالمائة. وتُظهر مؤشرات وزارة العمل استفادة نحو 1.9 مليون شخص من منحة البطالة (تمثل النساء 71 بالمائة منهم)، بينما تراهن محفظة الاستثمارات المسجلة لدى الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار بنهاية 2025 على استحداث أزيد من 270 ألف منصب عمل جديد عند دخول المشاريع حيز الخدمة.
وفيما خص الاستثمار، شهدت البنية الاستثمارية تحسنا مدعوما بالإصلاحات التشريعية التي جاء بها قانون الاستثمار الجديد، حيث أفاد تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) بارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي نحو الجزائر لتسجل 1.53 مليار دولار في عام 2025 (مقارنة بـ 1.43 مليار دولار في 2024). فيما حقق الاستثمار الداخلي، بحسب وزارة المالية الجزائرية قفزة نوعية بارتفاع يقارب 20 بالمائة خلال سنة 2025، ليصل إلى 19,178 مليار دينار جزائري (مقارنة بـ14,837 مليار دينار في 2024).
وعن المشاريع المسجلة قيد الإنجاز، أعلنت الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار (AAPI) أن إجمالي المشاريع المسجلة منذ نوفمبر 2022 وحتى ديسمبر 2025 قد تجاوز 19 ألف مشروع بقيمة معلنة تقارب 61 مليار دولار (8242 مليار دينار)، منها أكثر من 7600 مشروع يستهدف إحلال الإنتاج المحلي محل الواردات.
قاعــدة انطــلاق صلبـة
تحقيق النتائج المذكورة أعلاه، استند على ما تتوفر عليه الجزائر من قاعدة مهمة من الموارد الطبيعية، وموقع جغرافي يتيح لها فرصا تجارية واستثمارية معتبرة، فضلا عن سوق داخلية واسعة وإمكانات في قطاعات الفلاحة والصناعة والطاقة والخدمات.
فامتلاك موارد طاقوية معتبرة يوفر للبلاد إمكانات تمويل التنمية، في طريق الانتقال إلى نموذج أكثر توازنا بتحويل العائدات الطبيعية إلى استثمارات منتجة، وتوسيع القاعدة الصناعية، ورفع إنتاجية الفلاحة، وتطوير الخدمات ذات القيمة المضافة، وتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية على النفاذ إلى الأسواق الخارجية.كما تفرض التحوّلات الدولية، بما فيها إعادة تشكيل سلاسل الإمداد والتوجه نحو الطاقات النظيفة والتحوّل الرقمي، على الجزائر تسريع تحديث اقتصادها. ويكتسي هذا التوجه أهمية إضافية بالنظر إلى ضرورة خلق فرص عمل مستدامة للشباب، وتقليص الاعتماد على الواردات حيث يمكن للإنتاج الوطني المنافس أن يلبي الطلب، من دون الوقوع في سياسات انغلاق تضعف المنافسة أو ترفع تكاليف الإنتاج.
تندرج التوجهات الاقتصادية للرئيس عبد المجيد تبون، ضمن مسعى يرمي إلى الانتقال من الاعتماد الكبير على الريع الطاقوي إلى اقتصاد يمنح الإنتاج والاستثمار والمبادرة الاقتصادية مكانة مركزية، وتظهر أهمية هذا المسار في تحويل الإمكانات المالية والطبيعية والبشرية إلى قدرات إنتاجية دائمة، من خلال إنشاء مؤسسات مستدامة، ونقل التكنولوجيا، وتوفير مناصب عمل منتجة، ورفع المحتوى المحلي للسلع والخدمات.
بصـيرة اقتصاديـة
ومن هذا المنطلق، عمل السيد الرئيس على تحسين مناخ الأعمال بوصفه عنصرا أساسيا في الرؤية الاقتصادية؛ وذلك من خلال توفير قواعد واضحة ومستقرة، وإجراءات إدارية مبسطة، وإمكانية الوصول إلى العقار والتمويل، فضلا عن منظومة قضائية وتنظيمية توفر الحماية للحقوق وتضمن المنافسة العادلة.وفي هذا الصدد، مثل القانون رقم 22-18 المتعلق بالاستثمار، الصادر في جويلية 2022، أحد أبرز الأطر التشريعية التي استهدفت تحسين جاذبية الجزائر الاستثمارية. وقد جاء لتعزيز الضمانات الموجهة للمستثمرين، وتحديد أنظمة الحوافز، وتطوير آليات مرافقة المشاريع، إلى جانب إعادة تنظيم دور الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار في استقبال المشاريع وتوجيهها ومتابعتها. وتكمن أهمية هذا الإصلاح في أنه يربط التحفيز الاستثماري بأهداف التنمية الاقتصادية، ولا سيما توسيع الإنتاج، وإحداث فرص العمل، وتحقيق تنمية إقليمية أكثر توازنا.
وتشكل المؤسسات الناشئة بدورها رافعة هامة للتنويع، خصوصا في مجالات التكنولوجيا والخدمات الرقمية والحلول الصناعية والفلاحية، وتعمل الدولة على مساعدة آصحاب المشاريع من خلال التمويل وربط البحث العلمي بالمؤسسات الاقتصادية، وتوسيع فرص الوصول إلى الأسواق، وتطوير ثقافة الاستثمار في الابتكار بدل الاكتفاء بإنشاء المؤسسات أو تسجيلها.


