تأكيــد علـى دعــم المستثمريــن والمنتجـين الوطنيــــين النزهـــاء
الدولــــة الجزائريــة تسعــــى إلى تعزيـــز علاقتهـــا مـــع القطــاع الخـاص
أفصحت رئيسة الفيدرالية الجزائرية للتنمية والتعاون الاقتصادي المشترك، سعاد بروال، أن اللقاء الوطني الذي ترأسه رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بالمركز الدولي للمؤتمرات عبد اللطيف رحال بالجزائر العاصمة، شكّل مناسبة لترسيخ توجّه الدولة نحو بناء اقتصاد أكثر تنوّعا وتنافسية، وتعزيز الحوار بين السلطات العمومية والمتعاملين الاقتصاديين، العموميين والخواص.
أوضحت سعاد بروال، في تصريح خصّت به “الشعب”، أن خطاب رئيس الجمهورية في لقائه السنوي بالمتعاملين الاقتصاديين، حمل رسائل تتجاوز عرض المؤشرات الاقتصادية الإيجابية المسجلة، لتؤكد أهمية مواصلة الجهد الاستثماري، وتشجيع الإنتاج الوطني، وحماية احتياطي الصرف، ومكافحة الممارسات القديمة التي تستنزف الموارد دون أن تحقّق قيمة مضافة للاقتصاد.
وفي قراءتها لهذه التوجهات، رأت بروال أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من تأكيد الأهداف الاقتصادية إلى بناء آليات تنفيذية واضحة، تضمن التنسيق بين مختلف القطاعات العمومية والخاصة، وتمنح المؤسسات الاقتصادية القدرة الفعلية على الإنتاج والتوسّع والتصدير المكثف.
ومن أبرز الرسائل التي تضمنتها كلمة رئيس الجمهورية، حديثه عن حماية احتياطي الصرف من خلال بناء اقتصاد منتج، وضرورة التصدي للممارسات التي تستنزف العملة الصعبة دون مقابل اقتصادي للبلاد، مع التأكيد على دعم المتعاملين الاقتصاديين الوطنيين النزهاء، وتكمن الأهمية الاقتصادية لهذه الرسالة في التمييز بين الاستيراد الذي يخدم الاقتصاد، والاستيراد الذي لا يحقق قيمة مضافة كافية؛ لأن استيراد الآلات والتجهيزات والمواد الأولية وقطع الغيار الضرورية للمؤسسات الصناعية والفلاحية لا ينبغي أن يُعامل بالطريقة نفسها التي يُعامل بها استيراد السلع غير المنتجة أو غير ذات الأولوية الاقتصادية، بحسب قولها.
رفع الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي
كشفت بروال أن التحدي الحقيقي ليس في تقليص الواردات بصورة آلية، وإنّما في تحسين مردود كل وحدة من العملة الصعبة تُنفق في الخارج، من خلال توجيهها نحو ما يرفع الإنتاج المحلي ويحقق الاكتفاء الذاتي، ويحافظ أو يزيد مناصب الشغل، ويرفع القدرة التصديرية للبلاد نحو الأسواق الأجنبية.
ومن هذا المنطلق، فإن حماية احتياطي الصرف بالخزينة العمومية، يجب أن يتكامل مع سياسة واضحة لرفع الصادرات خارج المحروقات، واستقطاب الاستثمارات المنتجة، ومواصلة خطط تطوير الصناعات التحويلية الوطنية، وفقا لها.
وأردفت: “أبرز رئيس الجمهورية الخطوات المحققة في مجال الاستثمار بعد مراجعة المنظومة القانونية، وأشار إلى المؤشرات المسجلة في الناتج الداخلي الخام خارج المحروقات باعتبارها تعكس جهود تنويع ونمو الاقتصاد الوطني. فنجاح الاستثمار لا يتوقف عند تسجيل المشروع أو الحصول على التراخيص، بل يُقاس بمدى دخوله حيز النشاط، وحجم الإنتاج الذي يحققه في الداخل، وعدد مناصب الشغل التي يوفرها، ونسبة إدماج المواد والخدمات المحلية، وقدرته على إحلال الواردات أو التوجه إلى التصدير نحو الأسواق الخارجية. وعليه، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مرافقة اقتصادية عملية للمستثمرين، تشمل تسهيل الإجراءات المصرفية والبنكية، وتوفير العقار الصناعي، وضمان استقرار القواعد التنظيمية، وتحسين التنسيق بين الإدارات المعنية. كما ينبغي تطوير منظومة متابعة تسمح بتحديد المشاريع التي تواجه عراقيل، ومعالجة أسباب التأخر، والتمييز بين الصعوبات الموضوعية والتعثر الناتج عن ضعف التنفيذ”.
المؤسسات الاقتصادية شريك في التنمية
من جهة أخرى، أفادت سعاد بروال أن تأكيد رئيس الجمهورية على أهمية الحوار مع رجال الأعمال والمتعاملين الاقتصاديين، يظهر رغبة الدولة في تعزيز علاقتها مع القطاع الخاص على أساس المسؤولية المشتركة، وأشارت إلى أن المؤسسات الاقتصادية تحتاج إلى بيئة مستقرة، وإجراءات واضحة، وسرعة في معالجة الملفات، وتنسيق فعال بين مختلف المصالح العمومية. وفي المقابل، تتحمل هذه المؤسسات مسؤولية توطين الاستثمار المنتج، واحترام الالتزامات القانونية والجبائية، وتطوير الكفاءات المحلية، وخلق الثروة ومناصب الشغل.
غير أن الحوار الاقتصادي – بحسب بروال – لا ينبغي أن يبقى محصورا في اللقاءات الدورية، بل يجب أن يتحول إلى آلية مؤسساتية مستمرة تتيح للمتعاملين الاقتصاديين عرض الانشغالات والعراقيل التي تواجههم، وتقديم مقترحات قابلة للدراسة والتنفيذ، ومتابعة مدى تجسيد الحلول، وهو ما يحرص عليه الرئيس من خلال كل التسهيلات التي وضعها في متناول المستثمرين.
واستنادا إلى محدثتنا، تبرز – بفضل رؤية رئيس الجمهورية – أهمية الهيئات والمنظمات المهنية والفيدراليات الاقتصادية بوصفها قوة اقتراح ومرافقة، تساهم في نقل انشغالات المؤسسات والشركات، وتجميع المعطيات الميدانية، واقتراح حلول عملية، دون أن تحل محل السلطات العمومية أو صلاحياتها التنظيمية.
تنويـــــــع الاقتصــــــاد.. تكامــــــل القطاعــــــات
تعتقد بروال أن بناء اقتصاد تنافسي لا يمكن أن يتحقق من خلال تطوير كل قطاع بمعزل عن القطاعات الأخرى؛ لأن القطاع الفلاحي على سبيل المثال لا الحصر، يحتاج إلى الصناعة التحويلية والتبريد والتخزين والنقل واللوجستيك، والصناعة تحتاج إلى المواد الأولية الزراعية والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا، والتصدير يحتاج إلى منظومة مصرفية وجمركية فعالة، وإلى نقل دولي منتظم، وأسواق خارجية قادرة على استيعاب المنتجات جزائرية المنشأ.
ومن ثمّ، فإن تطوير التكامل بين الفلاحة والصناعة والمناجم والتجارة والنقل والخدمات المالية يُمثِّل مدخلا أساسيا لزيادة القيمة المضافة داخل الجزائر. وفي القطاع الفلاحي تحديدا، يجب التوفيق بين حماية التموين الوطني والقدرة على التصدير؛ لأن الصادرات المنظمة، عندما تستند إلى تقدير الإنتاج والاحتياجات الداخلية والفائض الحقيقي، يمكن أن تُشكِّل موردا للعملة الصعبة وحافزا للمزارعين والمنتجين، دون الإضرار بتموين السوق المحلية أو بالقدرة الشرائية للمواطن، يذكر المصدر ذاته.
ويتطلب كل هذا – أضافت بروال – تحسين متابعة الإنتاج والمخزون والاستهلاك الكلي، وتنسيق القرارات بين القطاعات المعنية، واعتماد آليات مرنة للتدخل عند ظهور اختلالات في العرض أو الأسعار، كما أن تنويع الاقتصاد لا يكتمل بمجرد زيادة الإنتاج المحلي، وإنّما يتطلب أيضا قدرة مستدامة على تسويق المنتجات الجزائرية خارج الحدود. فكلّما توسعّت قاعدة الصادرات الصناعية والفلاحية والخدماتية، ازدادت قدرة الاقتصاد على توليد موارد جديدة من العملة الصعبة، وارتقت فرص المؤسسات في التوسع والتوظيف والاستثمار داخليا وخارجيا.
إلى ذلك، تكتسب الأسواق الإفريقية أهمية خاصة بالنسبة للجزائر، باعتبارها مجالا لتطوير التعاون الاقتصادي والتجاري، شريطة أن تُبنى المبادرات على دراسات سوقية دقيقة، وقدرات لوجستية مناسبة، واتفاقات تجارية قابلة للتجسيد الآني، وآليات تنفيذ قابلة للقياس، تختم سعاد بروال.


