استحداث صندوق للاستثمار الجامعي وبورصة وطنية للأفكار..
الجامعة الجزائرية على أعتاب التحول إلى قاطرة اقتصاد المعرفة
راهن الدكتور فارس مسدور على مبادرة “بروتوماركت 2” كخطوة تاريخية والأولى ومن نوعها، نحو استثمار الكفاءات الجامعية وتحويل مخرجات البحث العلمي إلى مشاريع اقتصادية منتجة. وطرح جملة من المقترحات الهيكلية، تشمل إنشاء صندوق للاستثمار الجامعي وبورصة رقمية للأفكار والمشاريع، بما يضمن انتقال الابتكار من النموذج الأولي إلى الثروة والاستثمار المستدام.
قال مسدور -في تصريح لـ«الشعب”- إنّ المبادرة الوطنية للتعليم العالي “بروتوماركت 2”، تمثل نقلة نوعية حقيقية في مسار تحويل الجامعة الجزائرية من فضاء للتحصيل الأكاديمي فقط إلى قاطرة فاعلة في اقتصاد المعرفة، وهو ما تجسّد بوضوح من خلال انتقاء وتمويل 937 مشروعا مبتكرا، وتوزيعها على الأقطاب الجهوية الثلاثة للشرق والوسط والغرب.
وأكّد مسدور أنّ هذا الزخم المالي والمؤسّسي يعكس حيوية الكفاءات الطلابية والبحثية، وفي الوقت نفسه، يفتح آفاقا واسعة لدمج الابتكار في الحركية الاقتصادية الوطنية، واعتبر أنّ التمويل الأولي للنماذج الأولية، رغم أهميته البالغة، يعد الحلقة الأولى في سلسلة طويلة تتطلّب بيئة حاضنة وشاملة، تضمن حماية هذه الأفكار، وتمويلها، وتسويقها، وتحويلها في النهاية إلى ثروة حقيقية ومؤسّسات اقتصادية مستدامة.
وطرح الخبير مسدور جملة من الإجراءات الهيكلية اعتبرها شرطا أساسيا لنجاح المسار، منها ضرورة إعادة النظر في كل ما يلقى على عاتق الطالب المبتكر أو فريق البحث، حيث يكلَف الباحث أو الطالب الذي يستنزف وقته وجهده في المختبرات وورشات التطوير، عناء البحث عن سبل توثيق ابتكاره والإجراءات المعقدة لتسجيله.
وفي هذا السياق، شدّد الخبير على أنه أصبح من الضروري استحداث إدارة مستقلة ومتخصّصة داخل كل جامعة، تتولى بشكل حصري دراسة الابتكارات وقبولها، وتوثيقها، واستكمال إجراءات تسجيلها لدى الجهات الرسمية المختصة، سواء على المستوى المحلي أو عبر المنظمة العالمية للملكية الفكرية والهيئات الدولية الأخرى. وأكّد مسدور أنّ توفير هذه المظلة القانونية والإدارية داخل الجامعة يحمي الملكية الفكرية ويمنح المبتكرين الثقة والحرية للتركيز على التطوير التقني.
بورصة للأفكار والمشاريع
تفاديا لأي طارئ قد يتسبّب في توقّف عجلة الابتكار عند حدود النموذج الأولي، وحتى لا تظل الأفكار حبيسة الأدراج بعد استنفاد التمويل المبدئي، أكّد مسدور أنه من المهم استحداث بنك جامعي أو صندوق وطني للاستثمار الجامعي، وأوضح أنّ هذا البنك المالي يجب أن توجه موارده نحو الاستثمار المباشر في المشاريع الواعدة، بما يتيح تحويل مخرجات البحث العلمي إلى مشاريع استثمارية منتجة وقابلة للتوسّع، والأهم من ذلك، يضيف محدثنا، أنّ هذا الصندوق سيضمن حق الجامعة، وكل الأشخاص الذين أسهموا بشكل مباشر أو غير مباشر في إنجاز هذه المشاريع، في الاستفادة من العائدات المالية للابتكارات، ما يخلق نموذجا اقتصاديا هاما يعيد ضخّ الأرباح لتمويل أبحاث جديدة وتحفيز المزيد من الابتكار.
وبالموازاة مع ذلك، ومن أجل تفادي أي فجوة قد تسجّل في عملية التواصل بين الجامعة والسوق، اقترح الخبير مسدور إنشاء قاعدة بيانات وطنية رقمية للابتكارات الجامعية، تكون بمثابة “بورصة للأفكار والمشاريع”، وأوضح أنّ هذه المنصة ستكون متاحة للراغبين في الاستثمار، وفي صدارتهم رجال الأعمال والمستثمرين الذين يمتلكون رؤوس الأموال ويبحثون عن الأفكار التقنية الجاهزة. وأشار أستاذ العلوم الاقتصادية إلى أنه يمكن للمستثمر الدخول إلى هذه المنصة، وتسديد المستحقات أو الاشتراكات المطلوبة، والاطلاع على ملخّصات الابتكارات المدرجة فيها. وفي حال اختياره لمشروع معين، يمكنه توقيع اتفاقية مع الجامعة للاستثمار المشترك أو شراء الابتكار بشكل نهائي، وفقا لشروط واضحة تحفظ الحقوق المالية والأدبية للمبتكرين والجامعة على حدّ سواء.
الأفكـار الجديدة توسّع آفــــاق الاستثمـــــار
لا يشمل دور الجامعة في هذا النموذج الاقتصادي عملية إنتاج السلع والمنتجات التكنولوجية وحدها، إنما يمتد ليشمل تقديم الخدمات المعرفية والاستشارية. وفي هذا الإطار أثار الدكتور مسدور مقترح إمكانية استحداث مكاتب دراسات معتمدة من طرف الدولة، تتخصّص في مجالات متعدّدة تتماشى مع طبيعة كل جامعة وتخصّصاتها، ليؤكّد أنه إذا تعلّق الأمر بجامعة للعلوم الإنسانية، فإنّ مكتب الدراسات التابع لها سيقدّم استشارات في المجالات السوسيو-اقتصادية والسياسية، أمّا إذا كانت الجامعة متخصّصة في العلوم البيولوجية أو الهندسية، فسيكون للمكتب اختصاص في المجالات ذات الصلة بالصناعة والبيئة والصحة، وقال إنّ إنشاء هذه المكاتب سيتيح للأساتذة والطلبة الاستفادة من خبراتهم العلمية وتحويلها إلى خدمات ذات قيمة اقتصادية عالية، تتأتّى إيراداتها من الإجابة عن الاستشارات المطروحة من قبل المؤسّسات العمومية والخاصة، ممّا يُسهم في إنتاج أفكار جديدة وفتح آفاق أوسع للاستثمار الجامعي.
واعترف الخبير أنّ كل هذه المقترحات، سواء تعلّق الأمر ببنك الجامعة، أو بنك الابتكارات، أو قواعد البيانات المتخصّصة، أو مكاتب الدراسات، أو المشاريع الاستثمارية، تحتاج إلى إطار قانوني خاص، مرن، وواضح أنه ينبغي الإسراع في استحداثه خلال الفترة المقبلة، كما أشار إلى أنه -على سبيل المثال- لا تزال بعض الحاضنات الجامعية في عدد من الجهات تعاني من غياب إطار قانوني واضح ينظّم الإعفاءات الجبائية والجمركية وغيرها من الامتيازات المخصّصة لها، ما يؤخّر -نوعا ما- اندماجها مع المحيط الاقتصادي، وفي ضوء ذلك، قال مسدور إنه يجب أن تكون الإجراءات واضحة، سريعة، وبعيدة كل البعد عن التباطؤ في التنفيذ.
واعتبر مسدور أنّ الرهان الحقيقي -في الوقت الراهن- يشمل تمويل الأفكار، وبناء منظومة متكاملة تحميها، تموّلها، وتسوّقها. وقال إنّ اعتماد هذه الآليات الهيكلية وتوفير الغطاء القانوني اللازم لها، يمكّننا من تسريع وتيرة النمو والتنمية في الجزائر، عبر تفعيل دور الجامعة باعتبارها إحدى القاطرات الأساسية للتنمية الاقتصادية، ومصدرا حقيقيا لإنتاج المعرفة والابتكار وتحويلهما إلى ثروة واستثمارات منتجة تخدم الاقتصاد الوطني وتعزّز سيادته التكنولوجية والاقتصادية.



