التدرج في التعلم لمرافقة المبتدئين والكفاءة المثبتة شرط للاستقلالية المهنية
توزيع بيداغوجي يوازن بين التعلم والتطبيق ومسارات لتعزيز فرص الإدماج المهني
أكّد المختص في التكوين المهني وليد عليليش، أن 90 ساعة من التكوين التطبيقي يمكن أن تشكّل نقطة انطلاق لاكتساب المهارات المهنية الأساسية، من خلال التعرف على الحرفة وأدواتها ومعداتها، وفهم مبادئ العمل، واكتساب القدرة على إنجاز بعض المهام البسيطة تحت التأطير، مشدّدا على أن هذه المدة تهدف إلى إرساء قاعدة أولية من المهارات، ولا تعني بالضرورة الوصول إلى مستوى الحرفي المحترف، بالنظر إلى أن إتقان المهنة يتطلب الممارسة المستمرة واكتساب الخبرة.
أوضح المختص عليليش في تصريح لـ«الشعب” عن الجوانب البيداغوجية للتكوين التطبيقي، أن نجاح هذا المسار يرتبط بمدى قدرة البرنامج على تحويل المعارف الأولية إلى مهارات عملية قابلة للاستعمال في الميدان، مع مراعاة طبيعة كل تخصص ومستوى المتربصين، وضمان التأطير اللازم طوال فترة التكوين.
وفيما يتعلق بكيفية توزيع 90 ساعة بين التعرف على الأدوات والمعدات والتطبيق العملي والتقييم النهائي، اقترح وليد توزيعا بيداغوجيا استرشاديا يخصص 15 ساعة للتعرف على الأدوات والمعدات والمواد وقواعد الأمن والسلامة، و65 ساعة للتطبيق العملي، مقابل 10 ساعات للتقييم النهائي وتثبيت المكتسبات.
وأشار إلى أن هذا التوزيع يبقى قابلا للتكييف حسب طبيعة كل تخصص ومستوى المتربصين، مؤكدا ضرورة اعتماد التقييم المستمر طوال فترة التكوين، وعدم الاكتفاء بالتقييم النهائي، باعتباره وسيلة لمتابعة تطور أداء المتربصين، وتحديد النقائص التي تستدعي المعالجة قبل انتهاء البرنامج.
وبخصوص المهارات التي ينبغي أن يتقنها المتربص قبل السماح له بممارسة أي عمل مهني بصورة مستقلة، أوضح عليليش أنه يتعين عليه التمكن من استعمال الأدوات الأساسية بطريقة صحيحة، واحترام قواعد الأمن والسلامة، والتعرف على المواد والمعدات المناسبة، وتنفيذ المهام البسيطة وفق خطوات سليمة.
غير أن المتحدث شدد على أن إتمام 90 ساعة من التكوين لا يعني تلقائيا امتلاك الكفاءة اللازمة لممارسة جميع الأعمال بصورة مستقلة، خاصة تلك التي تنطوي على مخاطر تقنية، موضحا أن الاستقلالية المهنية ترتبط بالكفاءة المثبتة والخبرة وطبيعة العمل، وهو ما يستدعي إخضاع المستفيد لتقييم عملي دقيق قبل إسناد المهام إليه.
وفي هذا الإطار، أبرز أهمية تحديد المهارات التي ينبغي اكتسابها في نهاية التكوين، بما يسمح بالتأكد من قدرة المتربص على تطبيق ما تعلمه في ظروف عملية، مع الالتزام بالمعايير المطلوبة وقواعد السلامة.
ومن أجل ضمان أن يكون التكوين عمليا بالفعل، بدل الاقتصار على الدروس النظرية، أكد المختص أن ذلك يتطلب توفير ورشات مجهزة بالوسائل الضرورية، واعتماد أسلوب تعليمي يقوم على العرض التطبيقي، ثم إتاحة الفرصة أمام المتربص لممارسة المهارات بصورة فردية تحت إشراف المكون، كما دعا إلى تخصيص الحيز الأكبر من الوقت لإنجاز تمارين تحاكي الواقع المهني، مع تصحيح الأخطاء وتقييم جودة العمل ومدى احترام قواعد السلامة، موضحا أن المطلوب ليس إلغاء الجانب النظري، وإنما توظيفه لخدمة التطبيق وتحويل المعارف إلى مهارات عملية قابلة للاستعمال.
وأضاف أن هذا الجانب يكتسي أهمية خاصة في التخصصات التي تتطلب التعامل المباشر مع المعدات والمواد والأدوات التقنية، حيث لا يكفي التعرف على خطوات العمل نظريا، بل ينبغي التدرب عليها فعليا واكتساب القدرة على تنفيذها وفق الأصول المهنية.وفيما يتعلق بالصعوبات التي قد تواجه المتربصين الذين يلتحقون بالتكوين دون خبرة سابقة، أشار عليليش إلى أنهم قد يجدون صعوبة في التعرف على الأدوات والمصطلحات التقنية، واستعمال المعدات، وفهم خطوات إنجاز الأعمال، فضلا عن التكيف مع متطلبات الدقة والانضباط والسلامة.
ولمواجهة هذه الصعوبات، أوصى المختص بالتدرج في تقديم المهارات، والبدء بالتمارين البسيطة قبل الانتقال إلى الأعمال الأكثر تعقيدا، مع توفير المرافقة اللازمة وتصحيح الأخطاء بصورة مستمرة، مؤكدا أن غياب الخبرة السابقة لا ينبغي أن يكون عائقا أمام الاستفادة من التكوين، بل نقطة انطلاق لبناء الكفاءة المهنية.
كما شدّد على ضرورة مراعاة اختلاف الأعمار والمستويات التعليمية والخبرات بين المستفيدين، من خلال إجراء تقييم أولي لمستوياتهم وخبراتهم، ثم اعتماد تمارين متدرجة وأساليب تعليم متنوعة تجمع بين الشرح والمشاهدة والتطبيق.وأضاف أن المبتدئين ينبغي أن يمنحوا الوقت الكافي لاكتساب الأساسيات، مع إتاحة فرص لتطوير مهارات المستفيدين الذين يمتلكون خبرة سابقة، بما يضمن استفادة الجميع وفق احتياجاتهم وقدراتهم، دون الإخلال بالكفاءات الأساسية التي يتعين اكتسابها في نهاية التكوين.
وفي سياق متصل، اعتبر المختص أن اعتماد مسارات تكوينية متدرجة يمثل خطوة مهمة لتعزيز أثر البرنامج، مقترحا أن تشكل 90 ساعة مرحلة أولى لاكتساب المهارات الأساسية، تليها وحدات متخصصة وأكثر تقدما، وفق طبيعة كل حرفة والإمكانات المتاحة.
كما دعا إلى تعزيز الربط بين التكوين والممارسة الميدانية، وإدراج مبادئ تسيير النشاط المهني وتقدير التكاليف والتعامل مع الزبائن وإنشاء المؤسسات، بما يسمح للمستفيدين بتطوير قدراتهم وتوسيع معارفهم المرتبطة بمتطلبات النشاط المهني.
وأكّد عليليش أن هذه المسارات التكوينية من شأنها أن تفتح آفاقا أوسع أمام المستفيدين للإدماج المهني والعمل الحر والمقاولاتية، من خلال توفير فرص للتدرج في اكتساب المهارات وتطويرها، وعدم الاكتفاء بالمرحلة التكوينية الأولى، مبرزا أن فعالية التكوين التطبيقي في 90 ساعة لا ترتبط بالمدة وحدها، بل بمدى جودة التأطير، وتوفر التجهيزات، وحجم الممارسة الفعلية، والتقييم المستمر، إلى جانب مراعاة الفروق الفردية بين المتربصين وإمكانية مواصلة التكوين في مستويات أكثر تقدما، وهي عناصر من شأنها أن تجعل هذه التجربة خطوة أولى نحو بناء كفاءة مهنية قابلة للتطوير، وتوسيع فرص الاندماج في عالم الشغل مثلما قال.






