تحــسين الإنتاجـــية وتوسيع الاستثمار مع حمايــة التربـــة والثروة الغابيــة
التعاونيــات الفلاحية تلعـب دورا مهمــا في تجاوز عقبات التخزيــن والتسويق
مرافقـــة الفلاحــين وتوفير التمويــل الملائم.. تطويـــر الزراعــــات الجبليــــة
تتوفّر الفلاحة الجبلية في الجزائر على إمكانات كبيرة تسمح بتطوير الإنتاج الفلاحي وخلق الثروة ومناصب الشغل، بفضل ما تزخر به هذه المناطق من أراض زراعية وغابات ومراع وموارد مائية، فضلا عن تنوع المحاصيل التي يمكن إنتاجها وفق خصوصية كل منطقة وظروفها الطبيعية.
قال المهندس الزراعي صغيري عبد المجيد، عضو المكتب التنفيذي لاتحاد المهندسين الزراعيّين لــ»الشعب»، إنّ الثروات التي تمتلكها الجزائر بإمكانها المساهمة في تعزيز الأمن الغذائي وتحسين ظروف معيشة سكان المناطق الريفية، وأوضح أنّ الملتقى الوطني الأول حول الفلاحة الجبلية والاقتصاد الريفي يشكّل فرصة لبحث سبل تطوير هذا النشاط، وتحويل الإمكانات المتوفّرة إلى مشاريع اقتصادية منتجة.
وشدّد الخبير الفلاحي على أنّ تطوير الفلاحة الجبلية لا يقتصر على توسيع المساحات المزروعة أو غرس الأشجار، بل يتطلّب تنظيم النشاط الفلاحي، ومرافقة الفلاحين، وتوفير الإمكانات الضرورية للإنتاج والتسويق، مع المحافظة على الثروات الطبيعية، وأوضح أنّ المناطق الجبلية في الجزائر تتميّز بتنوع طبيعتها ومناخها، ما يسمح بتطوير عدة أنواع من الزراعات، على غرار الزيتون والتين والكرز والجوز واللوز، إلى جانب تربية النحل والأغنام والماعز والأبقار المحلية، وأكّد أن الغابات والمراعي الطبيعية تمثل ثروة يمكن تثمينها من خلال إنتاج العسل والحليب والأجبان التقليدية، واستغلال بعض المنتجات الغابية والنباتات العطرية والطبية وفق القوانين المعمول بها.
وقال صغيري إنّ تطوير هذه الأنشطة من شأنه تنويع مصادر دخل الفلاحين، خاصة إذا رافقته إجراءات لتحسين الإنتاج وتوفير وسائل التخزين والتحويل والتسويق، كما دعا إلى تحديد المحاصيل المناسبة لكل منطقة جبلية، حسب طبيعة التربة والمناخ وتوفّر المياه، مع إعطاء الأولوية للأصناف المحلية التي تتأقلم مع الظروف الطبيعية، وإعادة تأهيل البساتين القديمة قبل التوسّع في مساحات جديدة.
وأشار محدثنا إلى أنّ من أبرز الصعوبات التي تواجه الفلاحين في المناطق الجبلية صعوبة الوصول إلى المستثمرات، وارتفاع تكاليف النقل، ونقص بعض التجهيزات ووسائل التخزين والتسويق، وقال إنّ تشجيع الاستثمار في هذه المناطق يمرّ عبر تهيئة المسالك الفلاحية، وتحسين التزوّد بالمياه والكهرباء، وتوفير نقاط لجمع المنتجات بالقرب من مناطق الإنتاج، بما يساعد الفلاحين على تقليل التكاليف وتسويق محاصيلهم في ظروف أفضل، وأكّد أنّ التمويل – بدوره – يحتاج إلى مراعاة خصوصية الفلاحة الجبلية، خاصة أنّ بعض المشاريع، مثل غرس الأشجار المثمرة، تتطلّب سنوات قبل تحقيق مردودية اقتصادية، وأضاف أنّ مرافقة المستثمرين والفلاحين، وتسهيل حصولهم على التمويل والتجهيزات، من شأنه تشجيعهم على إطلاق مشاريع جديدة وتوسيع نشاطهم، خاصة في الشّعب التي تتوفّر فيها المنطقة على إمكانات حقيقية للإنتاج.
وشدّد صغيري على أهمية تثمين المنتجات الفلاحية الجبلية، بدل الاكتفاء ببيعها في شكلها الخام، مؤكّدا أن التحويل والتوضيب والتخزين يمكن أن يرفع قيمتها في السوق، ويوفّر فرص عمل إضافية للسكان، وأوضح أنّ إنتاج زيت الزيتون وتعبئته، وتجفيف التين والفواكه، وتوضيب العسل، وتحويل الحليب إلى أجبان ومنتجات تقليدية، كلها أنشطة يمكن أن تدعم الاقتصاد المحلي وتزيد من مداخيل الفلاحين.
وأكّد صغيري أنّ إنشاء وحدات صغيرة للتحويل بالقرب من مناطق الإنتاج، عندما تكون مجدية اقتصاديا، يسمح بتقليل تكاليف النقل والحدّ من ضياع المحاصيل، فضلا عن توفير فرص عمل للشباب،كما دعا إلى تنظيم الفلاحين في تعاونيات ومجموعات مهنية تساعدهم على تقاسم المعدات، وجمع المنتجات، وتحسين شروط البيع والتفاوض مع التجار، مؤكّدا أنّ العمل الجماعي يمكن أن يساعد أصحاب المستثمرات الصغيرة على تجاوز العديد من الصعوبات، وأكّد أن الفلاحة الجبلية تتيح فرص عمل جديدة للشباب والمرأة الريفية، خاصة في تربية النحل وإنتاج الشتلات وصيانة البساتين وتحويل المنتجات الغذائية وتوضيبها وتسويقها، وأضاف أنّ السياحة الريفية يمكن أن تكمل النشاط الفلاحي، من خلال تثمين المنتجات المحلية والتراث الطبيعي والثقافي للقرى الجبلية، بما يساعد على تنويع مداخيل السكان وتحسين ظروفهم المعيشية.
وشدّد الخبير على ضرورة توفير التكوين والمرافقة التقنية والتمويل لهذه الفئات، حتى تتمكّن من إنشاء مشاريع صغيرة وتحويلها إلى أنشطة منتجة، بما يساعد على الحدّ من الهجرة نحو المدن وتحسين الظروف المعيشية في المناطق الجبلية، كما أكّد أهمية تثمين المنتجات الجبلية وتسهيل تسويقها لزيادة مداخيل السكان.
وفيما يتعلق بالمحافظة على الموارد الطبيعية، قال صغيري إنّ تطوير الفلاحة الجبلية يجب أن يتم بطريقة مدروسة، تحافظ على التربة والمياه والغابات، وتضمن استمرار النشاط الفلاحي على المدى الطويل، وأوضح أنّ المنحدرات الجبلية أكثر عرضة لانجراف التربة، كما أنّ الجفاف وتراجع التساقطات قد يؤثّران على الإنتاج، ما يستدعي اعتماد تقنيات مناسبة للري، وحماية الأراضي الزراعية، وتنظيم الرعي، والوقاية من حرائق الغابات.
وبخصوص الاستثمار، لا ينبغي أن يكون على حساب البيئة -يقول صغيري- حيث يجب أن يجمع بين تحسين الإنتاج والمحافظة على الموارد الطبيعية التي تمثل أساس النشاط الفلاحي في هذه المناطق، وأن يوازن بين تحسين الإنتاج وحماية الموارد الطبيعية لضمان استدامة الفلاحة الجبلية.
وسجّل صغيري -في ختام تصريحه- أنّ نجاح الفلاحة الجبلية يقاس بتحسين مداخيل الفلاحين، وخلق مناصب شغل، وتطوير تحويل المنتجات محليا، مع المحافظة على الثروات الطبيعية، وأضاف أنّ استغلال إمكانات هذه المناطق بطريقة عقلانية يمكن أن يجعلها رافدا للتنمية الريفية وتعزيز الأمن الغذائي في الجزائر.





