الدّعــم السعــــودي للثــــورة الجزائريــة.. التزام تاريخي لأيقونة الحرّية
الثــــورة الجزائرية في الذاكرة السعودية.. دعم متعدّد الأبعاد ومواقف راسخة
شكلت مساهمة المملكة العربية السعودية في دعم ثورة التحرير الجزائرية محطة مضيئة في تاريخ التضامن العربي، موضوع ندوة انعقدت بالصالون الدولي للكتاب، كي تسلط الضوء على مرحلة تاريخية حاسمة جسدت الدعم السعودي للثورة التحريرية المباركة، وإسهامها في مرافقة نضال الشعب الجزائري نحو انتزاع استقلاله واستعادة سيادته الوطنية.
وأبرزت المداخلات الأكاديمية المقدمة في ندوة “مساهمة المملكة العربية السعودية في دعم الثورة الجزائرية “ عمق الالتزام الذي تعود جذوره إلى ما قبل اندلاع الثورة، وتواصل عبر المحافل الدولية ومختلف قنوات الدعم، ليشكل رصيدا تاريخيا مشتركا عزز متانة العلاقات الجزائرية السعودية، ومهد لآفاق أوسع من التعاون والشراكة الاستراتيجية بين البلدين الكبيرين.
وسلط كل من الأستاذ عبد الله مقلاتي، والأستاذ عمر بوضربة، والدكتور الباحث الأكاديمي رضوان شافو، الضوء على الأبعاد المتعددة لهذا الدعم الذي شمل المجالات الإعلامية، والدبلوماسية، والسياسية، والمالية، والشعبية. وهو ما أسس لعلاقات جزائرية سعودية تتسم بتنسيق عال على أعلى المستويات في كافة الملفات الإقليمية والدولية.
واعتبر مقلاتي أن الدعم السعودي لم يبدأ مع اندلاع الثورة، فقد سبقه احتضان المملكة للحركة الوطنية، ولعب الشيخ محمد البشير الإبراهيمي دورا محوريا في التقريب بين الزعامات العربية والملك سعود بن عبد العزيز. وأشار المتحدث إلى الملك سعود خصص مبالغ معتبرة لمكتب المغرب العربي، استخدمت لشراء الشحنات الأولى من السلاح عبر جهود الرئيس السابق أحمد بن بلة وفتحي الديب، وسجل بوضربة أن الدعم المالي السعودي تجسد لاحقا في منح سنوية وهبات رسمية وشعبية ضخمة، منها هبة قدرها مليون ريال من الملك سعود، و2.5 مليون ريال من الحكومة السعودية، إلى جانب الحملات الشعبية المكثفة كحملة “15 شعبان” لإغاثة اللاجئين.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، أبرز عمر بوضربة أن المملكة العربية السعودية سبقت إلى المبادرة بطلب تدويل القضية الجزائرية وعرضها على مجلس الأمن ثم الجمعية العامة للأمم المتحدة في 5 جانفي 1955، وقد تولى الدفاع عن هذه القضية في المحافل الدولية الدبلوماسي أحمد الشقيري، بتزكية من جبهة التحرير وطلب من الشيخ الإبراهيمي، إلى جانب الدبلوماسي العراقي محمد فاضل الجمالي.
من جهته، استحضر الدكتور رضوان شافو الجذور التاريخية لهذا الموقف، وأشار إلى زيارة الأمير فيصل بن عبد العزيز للجزائر عام 1943 ومطالبته الجنرال ديغول بتقرير مصير الشعب الجزائري، وهو ما عكس عمق الثوابت السعودية الداعمة للحق الجزائري منذ ما قبل الاستقلال.
وفي جانب الدعم الشعبي والمؤسسي والإعلامي، أوضح بوضربة الدور الحيوي لمكتب جدة الذي ترأسه عباس بن الشيخ الحسين (1957-1962)، في تنظيم يوم الجزائر الذي يدوم أسبوعا وجمع التبرعات في مواسم الحج وتوزيع جريدة “المجاهد”. ويتفق معه رضوان شافو في تسليط الضوء على الدبلوماسية العلمية، مستشهدا بدور مجلة “المنهل” السعودية في نشر كتابات العلماء الجزائريين وكشف زيف الاستعمار، فضلا عن استضافة المملكة لفرع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بأمر من الملك عبد العزيز آل سعود، واحتضانها لمقاومي المغرب العربي منذ أواخر القرن التاسع عشر.
دعـــم سرّي وعلنـي للثـورة
وتقاطعت المداخلات العلمية في الإشارة إلى المواقف الخالدة للملك سعود بن عبد العزيز التي نقلها الأساتذة المشاركون، حيث خاطب الملك سعود وفد الحكومة المؤقتة بقيادة فرحات عباس وأحمد توفيق المدني قائلا: “لستم جزائريين أكثر مني”، ومؤكدا لهم: “أنتم تدفعون ضريبة الدم ونحن ندفع ضريبة المال”. وبعد الاستقلال – سجل المحاضرون – جدد الملك سعود التزامه قائلا: “كما كنت أول المتبرعين للجزائر المجاهدة، سأكون أول المتبرعين للجزائر المستقلة”.
من جهته، سجل الأستاذ ولد بوسيافة أن الدعم العربي للثورة الجزائرية تنوّع بين ما كان إعلاميا وماليا، وهناك ما قدم في سرية تامة، غير أن المملكة العربية السعودية، إلى جانب مصر، اختارت مساندة الجزائر جهرا وسرا في آن واحد، وتحملت في سبيل ذلك قدرا كبيرا من الضغوط السياسية، وأضاف ولد بوسيافة أن الدعم السعودي شهد تصاعدا بعد اندلاع الثورة، خاصة على المستوى الدبلوماسي، حيث تجلى في مواقف ومبادرات واضحة تعكس مساندة المملكة للشعب الجزائري في نضاله من أجل استعادة سيادته، ومن ذلك، الموقف السياسي الحازم للمملكة العربية السعودية تجاه الاستعمار الفرنسي، وقد بلغ درجة أن المملكة العربية السعودية الشقيقة قطعت العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا، وتمسكت بموقفها إلى غاية تحقيق استقلال الجزائر.






