مأساة فلسطين.. الجرح التراجيدي الأعمق في ضمير الفلسفة المعاصرة
الأزمة المالية العالمية.. برهان على تهافت النماذج الاقتصادية الجامدة
احتضنت قاعة المحاضرات الكبرى “آسيا جبار”، ضمن فعاليات الطبعة التاسعة والعشرين لصالون الجزائر الدولي للكتاب، أول أمس، ندوة فكرية موسومة بـ«تراجيديا العالم.. وجهة نظر الفلاسفة”، بمشاركة الأستاذة الدكتورة خديجة زتيلي، من جامعة الجزائر 2، والأستاذ الدكتور بن شرقي بن زيان، من جامعة وهران، حيث خُصص اللقاء لمساءلة المآسي والتحولات التي يعيشها العالم المعاصر من منظور فلسفي، واستشراف ما تطرحه من تحديات على الوجود الإنساني.
تولّت آمال موهوب إدارة أشغال الندوة، من خلال تأطير النقاش وتقديم مداخلات المشاركين، بما أتاح مقاربة موضوع التراجيديا العالمية من زوايا فلسفية متعددة، وفتح المجال أمام مساءلة القضايا الإنسانية والفكرية التي تفرضها التحولات الراهنة، كما حمل اللقاء بُعدا وفائيا، إذ أُهدي إلى روح المفكر والأستاذ الجامعي الراحل عبد الرحمن بوقاف، تقديرا لمسيرته العلمية وإسهاماته في الدرس الفلسفي بالجزائر.
تناولت خديجة زتيلي، في مداخلتها الموسومة بـ«الأرض والوطن.. رهانات تجديد الإنسانية ومواجهة الفناء”، مفهوم التراجيديا باعتباره مدخلا لفهم المآسي الإنسانية وصراعات الإنسان المتواصلة من أجل الحرية وصناعة المصير، مستحضرة امتداد هذا المفهوم من التراجيديا الإغريقية القديمة إلى المقاربات الفلسفية الحديثة والمعاصرة، التي جعلت من مأزق الإنسان وعلاقته بالعالم والتاريخ والحضارة موضوعا للتأمل والنقد.
واستندت المحاضرة بصورة أساسية إلى أطروحات المفكر الفرنسي إدغار موران الذي انشغل، عبر مسيرته الفكرية الممتدة، بتشخيص الأزمات التي تعصف بالمجتمعات المعاصرة، وما أفرزه التطور التقني والعلمي من مفارقات وتداعيات على الإنسان ومستقبله.
وفي هذا السياق، توقفت زتيلي عند القضية الفلسطينية بوصفها تراجيديا تاريخية معاصرة، مستعرضة مواقف موران النقدية من الاحتلال الإسرائيلي والسياسات الممارسة بحق الفلسطينيين، من خلال عدد من مقالاته التي دافع فيها عن الحق الفلسطيني، وأبرز فيها معاناة الشعب الفلسطيني ومخاطر استمرار العنف والاحتلال، مشيرة إلى ما أثارته هذه المواقف من انتقادات ومضايقات في بعض الأوساط الإعلامية الفرنسية.
كما تطرّقت إلى مفارقات التقدم العلمي والتكنولوجي، الذي أتاح للبشرية إنجازات هائلة، لكنه أسهم في الوقت ذاته في تطوير أسلحة الدمار الشامل، وتفاقم الأزمات البيئية والاقتصادية، واتساع الهوة بين الفقر والثراء، فضلا عن الحروب والنزوح والهجرة وما تخلّفه من جروح نفسية واجتماعية عميقة.
ولم تغفل المحاضرة قضية الاستنزاف البيئي وتهديد شروط الحياة على الأرض، إلى جانب إشكالية سوء الفهم وإقصاء الآخر، مؤكدة، من خلال قراءة أطروحات موران، ضرورة إعادة الاعتبار للعقل النقدي المرتبط بالغايات الأخلاقية والإنسانية، لأن العقل الذي ينفصل عن هذه القيم قد يتحوّل من وسيلة لتحرير الإنسان إلى أداة لتهديد وجوده، وخلصت إلى أهمية بناء وعي إنساني يستوعب وحدة العالم وتنوّعه وترابط قضاياه.
هشاشة تصورات العالم المعاصر
من جهته، تناول بن شرقي بن زيان، في مداخلته الموسومة بـ«اللايقين وسؤال تراجيدي العالم المأزوم”، عودة مفهوم “اللايقين” إلى صدارة التفكير الفلسفي والعلمي، متسائلا عن الكيفية التي استعاد بها حضوره في واقع اعتقدت فيه البشرية أن تطور العلم قادر على تقديم إجابات حاسمة لمختلف الإشكالات.
وأوضح المحاضر أن “اللايقين” لا يقتصر على مواجهة المجهول، بل يرتبط كذلك بالحالات التي تعجز فيها المعرفة عن تقديم إجابات نهائية، مشيرا إلى أن الفلسفة ظلت، عبر مراحلها التاريخية، منشغلة بتحولات العالم وأزماته، وإن اختلفت مقارباتها ومرجعياتها.
وفي استحضاره للمسار التاريخي لهذه المسألة، توقف عند الفلسفة اليونانية وما عرفته من أزمات وتصورات مثالية، قبل الانتقال إلى العصر الحديث، الذي شهد صعود العلم باعتباره أداة لإنتاج المعرفة ومواجهة مظاهر اللايقين. غير أن تطوّر العلوم، ولا سيما الفيزياء، أعاد طرح الإشكال من جديد، مع بروز حدود المعرفة العلمية وإشكالات التحكّم في الظواهر الطبيعية.
وربط بن شرقي عودة “اللايقين” في العالم المعاصر بثلاث محطات بارزة، أولها إشكالية الانتقال إلى الألفية الجديدة وما صاحبها من مخاوف بشأن الأنظمة المعلوماتية، وثانيها الأزمة المالية العالمية لسنة 2007، التي كشفت هشاشة بعض التصورات والنماذج الاقتصادية، وثالثها “جائحة كوفيد-19” التي وضعت البشرية أمام واقع صحي استثنائي، وأظهرت محدودية التوقعات والقدرة على التحكم في التحولات المفاجئة.
واعتبر أن هذه المحطات أعادت إلى الواجهة ضرورة التفكير في اللايقين باعتباره عنصرا ملازما للوجود الإنساني، لا مجرد حالة عابرة يمكن تجاوزها بالمعرفة وحدها، وهو ما يفرض مراجعة التصورات السائدة بشأن العلم والعالم والمستقبل.
وبذلك فتحت المداخلتان مجالا للتفكير في تراجيديا العالم من زاويتين متكاملتين؛ إحداهما تتقصى تجليات المأساة الإنسانية ومفارقات الحضارة، والأخرى تتبع عودة اللايقين بوصفه سؤالا فلسفيا يرافق تحولات البشرية، في تأكيد على أن تجديد التفكير الإنساني يظلّ رهينا بالقدرة على مساءلة الواقع واستيعاب تعقيداته.




