ميثــــاق أخلاقــي يحمــي الهويـــة والإبــــداع ويضمـــن توظيــــف التكنولوجيـــا فــــي خدمــــة المعرفــــة
المجتمــع الخامـــس يعيـد هيكلـــة ســوق العمــل.. التكيــــف السريــع مــع التحــولات الرقميـــة
التعلـــــم المستمـــر وسيلــــة مثاليــــة لتجنـب الفجــوة بـــين المهــــارات والمتطلبــــات الجديــــدة
نظمت جريدة «الشعب»، بالتعاون مع النقابة الوطنية لناشري الكتب، ندوة فكرية بعنوان «الذكاء الاصطناعي.. سؤال المجتمع الخامس»، ضمن الفعاليات المرافقة للطبعة التاسعة والعشرين للصالون الدولي للكتاب بالجزائر، نشطها الأستاذ يزيد أقدال والدكتور عبد القادر دحدوح، حيث تناولت النقاشات انعكاسات الذكاء الاصطناعي على المجتمع ومستقبل المعرفة والكتابة والنشر، إلى جانب التحديات الأخلاقية والثقافية المرتبطة باستخدامه.
يحيل مفهوم «المجتمع الخامس» إلى تصور لمجتمع فائق الذكاء يتمحور حول الإنسان، ظهر في اليابان سنة 2016، بعد مراحل مجتمع الصيد والزراعة والصناعة والمعلومات، ويقوم على الدمج بين الفضاء الإلكتروني والواقع المادي، من خلال جمع البيانات ومعالجتها بواسطة الذكاء الاصطناعي، ثم توظيف نتائجها في تطوير الخدمات ومواجهة المشكلات الاجتماعية. ويختلف هذا التصور عن الثورة الصناعية الرابعة بتركيزه على توجيه التكنولوجيا لتحسين حياة الإنسان، وليس على تطوير الآلات ورفع كفاءة الإنتاج فحسب.
وقال الدكتور عبد الهادي سالمي إن مفهوم المجتمع الخامس ظهر في اليابان سنة 2016، باعتباره تصورا لمستقبل يتجاوز المراحل التاريخية التي مر بها التطور المجتمعي، بدءا بمجتمع الصيد، مرورا بالزراعة والصناعة، وصولا إلى مجتمع المعلومات، وأضاف أن هذا التصور ويقوم على تحقيق توازن بين التقدم الاقتصادي والتكنولوجي من جهة، ومعالجة المشكلات الاجتماعية المعقدة من جهة أخرى، من خلال دمج الفضاء الإلكتروني بالفضاء المادي، بحيث تتحول البيانات المتدفقة من الحياة الواقعية إلى أدوات لإنتاج حلول تستجيب لحاجات الإنسان.
وسجل محدثنا أن هذا النموذج يختلف عن الثورة الصناعية الرابعة التي انصب اهتمامها أساسا على رقمنة الصناعة وتطوير الآلات ورفع كفاءة الإنتاج. فالمجتمع الخامس يوسع مجال التحول التكنولوجي ليشمل مختلف جوانب الحياة، ويعيد الإنسان إلى مركز المعادلة، باعتباره الغاية التي ينبغي أن تخدمها الابتكارات، لا مجرد عنصر يتكيف مع إيقاعها المتسارع.
من البيانات إلى الحلول الذكية
وقال سالمي إن بنية المجتمع الخامس تقوم على منظومة مترابطة تبدأ بجمع البيانات من العالم المادي عبر تقنيات «إنترنت الأشياء» التي تسمح للأجهزة والمعدات والمرافق بتبادل المعلومات بصورة مستمرة، وتنتقل هذه البيانات إلى الفضاء الإلكتروني، حيث تتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي تحليلها ومعالجتها واستخلاص أنماط ومؤشرات يمكن تحويلها إلى حلول عملية، ثم تعود نتائج المعالجة إلى الواقع في صورة خدمات وتطبيقات تنفذها الروبوتات والأنظمة ذاتية القيادة وغيرها من التقنيات الذكية.
ويتيح هذا التكامل – يضيف محدثنا – إمكانات واسعة في إدارة المدن والمرافق، وتحسين الخدمات الصحية، وترشيد استهلاك الموارد، والاستجابة للتحديات البيئية والديمغرافية، كما يمكن أن يسهم في مواجهة مشكلات مثل التغير المناخي وشيخوخة السكان، من خلال تطوير أنظمة أكثر قدرة على التنبؤ بالاحتياجات وتوجيه الموارد وتقديم الخدمات بكفاءة أكبر.
لكن الانتقال إلى مجتمع تدار فيه قطاعات واسعة من الحياة بواسطة البيانات والخوارزميات – يستدرك محدثنا – لا يخلو من مخاطر، فكلما اتسع نطاق الربط بين الفضاءين الرقمي والمادي، ازدادت كمية المعلومات الشخصية التي يجري جمعها ومعالجتها، وأصبح الفرد أكثر ارتباطا بمنظومات تقنية تتابع أنشطته واحتياجاته وسلوكياته. وهنا تبرز مسألة الخصوصية بوصفها أحد الاختبارات الأساسية لهذا النموذج.
الخصوصية تحت ضغط البيانات
إن بناء مجتمع فائق الذكاء يستدعي تدفقا مستمرا للبيانات، بما فيها المعلومات الشخصية والحيوية، وهو ما جعل الدكتور سالمي يقول إن ذلك يرفع احتمالات التعرض للاختراق أو الاستغلال التجاري أو الاستخدام من قبل جهات خبيثة، ويضيف أن المخاطر لا تتوقف عند تسريب المعلومات، وإنما تمتد إلى إمكانية توظيفها في مراقبة الأفراد أو التأثير في اختياراتهم وسلوكياتهم، بما يجعل الخصوصية مهددة بالانكشاف الدائم.
ويفرض هذا الواقع – يقول محدثنا – تطوير منظومات حماية قادرة على مواكبة حجم البيانات المتداولة، وتحديد شروط جمعها ومعالجتها والاحتفاظ بها، إلى جانب ضمان حق الأفراد في معرفة كيفية استخدامها؛ فالثقة في التكنولوجيا لا يمكن أن تقوم على كفاءة الأنظمة وحدها، وإنما تحتاج إلى ضمانات قانونية وأمنية تحمي الإنسان من تحول بياناته إلى مورد مفتوح للاستغلال.
ومن التحديات التي يطرحها المجتمع الخامس – يضيف سالمي – إعادة هيكلة سوق العمل، ذلك أن أتمتة المهام وتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي في أداء وظائف كانت حكرا على البشر، يهددان باختفاء بعض المهن التقليدية، مقابل ظهور وظائف جديدة تتطلب مهارات مختلفة، ويضع هذا التحول العاملين أمام ضرورة التكيف السريع والتعلم المستمر، في ظل احتمال اتساع الفجوة بين المهارات المتوافرة ومتطلبات سوق العمل.
ولا تقتصر آثار هذا التحول على الجانب الاقتصادي – يؤكد محدثنا – فهي تمتد إلى الاستقرار الاجتماعي والنفسي، إذ يمكن أن يؤدي الشعور بعدم الأمان الوظيفي والخوف من فقدان فرص العمل إلى زيادة القلق والتوتر. ومن ثم، فإن الانتقال التكنولوجي يحتاج إلى سياسات للتكوين وإعادة التأهيل، تتيح للأفراد اكتساب المهارات الجديدة وتضمن ألا يتحول التطور التقني إلى سبب لإقصاء فئات واسعة من سوق العمل.






