تكريـس فــرص تحديــــد مكامـن جديــدة فــي الميـاه الإقليميــة الجزائريــة
أكد الخبير الطاقوي، بغداد مندوش، أن التحضير لإطلاق جولة العطاءات الجديدة «ألجيريا بيد راوند 2026» من طرف الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات ALNAFT يشكل خطوة جديدة في مسار تعزيز النشاط الاستكشافي في الجزائر وفتح آفاق أوسع للاستثمار في قطاع النفط والغاز، مشيرا إلى أن هذه المبادرة تندرج ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى ضمان استدامة الموارد الطاقوية وتعزيز مكانة الجزائر في أسواق الطاقة الدولية.
وأوضح الخبير أن الإعلان عن هذه الجولة كان منتظرا منذ مدة، خاصة بعد النتائج التي حققتها جولة العطاءات السابقة، مبرزا أن الجزائر تبنت خلال السنوات الأخيرة مقاربة تقوم على تنظيم جولات دورية لعرض ما يعرف بالبلوكات النفطية أمام الشركات العالمية المختصة في الاستكشاف والإنتاج، وهو ما يسمح بتوسيع النشاط الاستكشافي واستقطاب استثمارات أجنبية قادرة على إدخال تقنيات حديثة في مجال البحث عن المحروقات.
وأشار مندوش، إلى أن هذا التوجه يأتي في إطار تطبيق أحكام قانون المحروقات الصادر سنة 2019، والذي جاء – حسبه – ليمنح مرونة أكبر في الإطار القانوني والتنظيمي للاستثمار في هذا القطاع الاستراتيجي. وقد تضمن هذا القانون عدة تحفيزات جبائية وإجراءات تسهيلية موجهة للشركات الأجنبية، إضافة إلى اعتماد صيغ تعاقدية متنوعة، من بينها عقد تقاسم الإنتاج الذي يعد من أكثر النماذج انتشارا في البلدان المنتجة للبترول والغاز.
وأكد المتحدث أن هذه الإصلاحات القانونية ساهمت في تعزيز جاذبية القطاع الطاقوي الجزائري لدى الشركات الدولية، وهو ما انعكس في النتائج الإيجابية لجولة العطاءات السابقة التي أفضت إلى إبرام عدة عقود بين المجمع العمومي سونطراك وعدد من كبرى الشركات العالمية، على غرار» توتال إنرجيز» و»قطر إنرجيز»، إلى جانب شركات أوروبية وآسيوية أخرى تنشط في مجال الاستكشاف والإنتاج.
وأفاد الخبير أن المشاريع التي تم إطلاقها في إطار تلك الجولة شملت عددا من المناطق الواعدة من الناحية الجيولوجية، خاصة في الجنوب الجزائري، حيث تشير المعطيات التقنية إلى وجود إمكانات معتبرة للاستكشاف في مناطق مثل توات وأدرار، إضافة إلى أحواض أخرى في الجنوب الشرقي على غرار حاسي بركين ومناطق قريبة من ورقلة، وهي مناطق عرفت تاريخيا نشاطا استكشافيا مهما وتظل قابلة لتحقيق اكتشافات إضافية في ظل تطور التقنيات الجيولوجية والزلزالية.
وفي سياق متصل، أشار مندوش إلى أن جولة العطاءات المرتقبة لسنة 2026 قد تشهد توجها جديدا نحو إدراج بعض المناطق البحرية ضمن مناطق الاستكشاف، وهو ما يمثل – حسبه – مرحلة جديدة في تطور الصناعة الطاقوية الجزائرية، خاصة وأن الموارد البحرية أصبحت تشكل اليوم أحد أهم مصادر الطاقة في العديد من الدول المنتجة للبترول والغاز.
وأضاف أن الدراسات الجيولوجية الأولية التي أجريت خلال السنوات الأخيرة شملت عددا من السواحل الجزائرية، لاسيما في شرق البلاد، حيث تمت دراسة بعض المناطق البحرية قبالة ولايتي جيجل وعنابة، في إطار برنامج بحثي يهدف إلى تقييم الإمكانات المتوفرة في تلك المناطق.
وأشار الخبير في هذا السياق إلى مشاركة شركات دولية كبرى في بعض هذه الدراسات، من بينها العملاق الأمريكي «شيفرون» الذي يمتلك خبرة طويلة في مجال الاستكشاف والاستغلال في البحار العميقة، وهو ما من شأنه أن يعزز فرص تحديد مكامن جديدة للنفط أو الغاز في المياه الإقليمية الجزائرية.
كما أوضح أن الدراسات الأولية لم تقتصر على السواحل الشرقية فحسب، بل شملت أيضا بعض المناطق الساحلية في الغرب الجزائري، خصوصا قبالة سواحل مستغانم وتلمسان، حيث تشير المؤشرات الجيولوجية الأولية إلى احتمال وجود تراكيب جيولوجية قابلة لاحتضان مكامن هيدروكربونية.
ويرى مندوش أن إدراج الاستكشاف البحري ضمن الاستراتيجية الطاقوية الوطنية يعد خيارا طبيعيا في ظل التطورات التي يعرفها قطاع الطاقة عالميا، لاسيما وأن العديد من الدول المنتجة تعتمد بشكل متزايد على الموارد البحرية لتعزيز احتياطاتها الطاقوية، وهو ما يفتح أمام الجزائر آفاقا جديدة لتنويع مصادر إنتاجها من النفط والغاز.
وفي المقابل، أكد الخبير أن الصحراء الجزائرية ستبقى في صلب النشاط الاستكشافي خلال السنوات القادمة، بالنظر إلى الإمكانات الكبيرة التي ما تزال تحتويها أحواضها الرسوبية، حيث من المرتقب أن تشمل جولة العطاءات الجديدة عددا من المناطق القريبة من الحقول الكبرى أو تلك التي لم تستغل بعد بالشكل الكافي.
وأوضح في هذا الإطار أن الهدف الاستراتيجي من هذه العروض يتمثل أساسا في تجديد الخزان الطاقوي الوطني وتوسيعه من خلال اكتشافات جديدة، بما يسمح بالحفاظ على مستويات الإنتاج في المستقبل وضمان استمرارية الموارد الطاقوية للأجيال القادمة.
كما شدد على أن تطوير النشاط الاستكشافي سيساهم في تعزيز قدرات الجزائر في مجال إنتاج وتصدير النفط والغاز، خاصة في ظل الطلب المتزايد على الطاقة في الأسواق الدولية، مؤكدا أن الجزائر تمتلك بنية تحتية متطورة في مجال نقل الغاز وتصديره، إلى جانب خبرة طويلة تجعلها من بين أهم الفاعلين في سوق الطاقة على المستويين الإقليمي والدولي.
ولفت مندوش إلى أن جولة العطاءات المرتقبة ستشكل فرصة جديدة لتعزيز الشراكات الدولية في قطاع المحروقات، سواء مع الشركات التي تعمل حاليا إلى جانب سوناطراك أو مع شركات عالمية أخرى لم يسبق لها الاستثمار في الجزائر، وهو ما من شأنه دعم نقل التكنولوجيا وتبادل الخبرات وتعزيز ديناميكية الاستثمار في هذا القطاع الحيوي للاقتصاد الوطني.



