تسخير 1100 آلة حصـاد و1200 شاحنة وتوفير 307 مراكز جوارية للتخزين
تكوين 900 سائق حصّادة.. رهان الموارد البشرية لضمان الاستغلال الأمثل
“قرض المورد” لتمكــين الفلاحـــين مــــن حمايـــة المحاصيـــل دون دفـــع مسبــــق
مشـــروع استراتيجـــي لرفــــع قــــــدرات تخزيــــن الحبــــوب مـــن 4 إلى 9 ملايــــين طــنّ
أطلقت وزارة الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، حملة وطنية واسعة لتأمين موسم الحصاد، من خلال تسخير إمكانات بشرية ولوجستية وتقنية غير مسبوقة، انطلاقا من الولايات الجنوبية التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى قطب حقيقي لإنتاج الحبوب بفضل الاستثمارات الجديدة في السقي والمكننة.
تعكس الإجراءات التي باشرتها وزارة الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، تنفيذا لتوجيهات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، تحوّلا واضحا في طريقة تسيير شعبة الحبوب، فبدلا من اعتماد إجراءات ظرفية مرتبطة بالمواسم، تمّ سنّ استراتيجية طويلة المدى تقوم على التخطيط، الاستباق، والاستثمار في البنى التحتية والموارد البشرية.وتؤكّد المعطيات الميدانية أنّ السلطات العمومية تراهن هذه السنة على تحسين تنظيم عمليات الحصاد والنقل والتخزين، بهدف تقليص الخسائر التي كانت تسجّل خلال المواسم السابقة، ورفع مردودية الإنتاج الوطني، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي والتقلّبات التي يعرفها السوق العالمي للحبوب.
مكننـــــــة واسعـــــــة وتحضــــــــير استباقــــــي
في هذا الإطار، سخّرت وزارة الفلاحة أكثر من 1100 آلة حصاد عبر مختلف الولايات، بينها 330 آلة تابعة لشركة “أغرودرايف” التي تمّ إنشاؤها حديثا لدعم قدرات المكننة الفلاحية، إلى جانب تعبئة أكثر من 1200 شاحنة لنقل القمح، مع توفير 307 مراكز جوارية لتخزين الحبوب، في خطوة تهدف إلى تقليص خسائر ما بعد الحصاد وتحسين تنظيم عمليات الجمع والتخزين، كما تم – لأول مرة – إدماج المتابعة الرّقمية لمختلف العمليات اللوجستية المرتبطة بالحملة، بما يسمح بضبط حركة العتاد والشاحنات وتفادي الاختلالات التي كانت تسجّل خلال المواسم السابقة.
وتأتي هذه التعبئة الميدانية بالتوازي مع اتفاقية استراتيجية تمّ توقيعها بولاية سيدي بلعباس، بين شركة “PMAT” و«AGRODRIVE” لاقتناء 331 آلة حصاد و1800 جرّار، بما يعزّز الحظيرة الوطنية للمعدات الفلاحية بعتاد جديد وحديث لتوطين ثقافة المكننة ورفع قدرات الإنتاج، في ظل الرهان على توسيع المساحات المزروعة بالحبوب، خاصة في ولايات الجنوب.
تكوين السائقين.. رهان على المـوارد البشريــة
لم يقتصر التحضير لموسم الحصاد على الجانب اللوجستي، بل شمل أيضا تأهيل العنصر البشري، حيث تم تكوين أكثر من 900 سائق حصّادات بالشراكة مع قطاع التكوين والتعليم المهنيين، بهدف ضمان الاستعمال الجيد للعتاد الفلاحي وتفادي الأعطاب والخسائر التقنية خلال الحملة، كما تمّ إطلاق دورات متخصّصة في صيانة وقيادة العتاد الفلاحي لفائدة الإطارات والعمال المشرفين على المكننة الفلاحية.
ويؤكّد مهنيّون أنّ نجاح المكننة لا يرتبط فقط بتوفير الآلات، بل يتطلّب أيضا يدا عاملة مؤهّلة قادرة على التحكّم في التقنيات الحديثة، خاصة مع دخول تجهيزات أكثر تطورا إلى القطاع الفلاحي، حيث تسمح عمليات التكوين الميداني -حسبهم- بخلق كفاءات جزائرية قادرة على التحكّم في العتاد الحديث وتضمن استغلاله بالشكل الأمثل، خاصة مع ارتفاع حجم الاستثمارات الموجّهة لهذا المجال.
”قرض المورد”… آلية جديدة لحماية المحاصيل
من بين أبرز التدابير التي أطلقتها وزارة الفلاحة هذا الموسم، اعتماد آلية “قرض المورد” لاقتناء منتجات الحماية النباتية دون دفع مسبق، على أن يتم التسديد بعد جني وتسويق المحصول، ويهدف هذا الإجراء إلى تمكين الفلاحين، خاصة محدودي الإمكانات، من التدخّل السريع لمواجهة الأمراض والآفات الزراعية التي تتسبّب سنويا في خسائر قد تصل إلى 40 بالمائة من الإنتاج في حال غياب المعالجة الفعالة.
كما تمّ توفير البذور دون دفع مسبق لفائدة آلاف الفلاحين، وتنظيم 368 يوما إرشاديا لفائدة أكثر من 3800 فلاح، مع تعزيز حصص الأسمدة الآزوتية بنسبة 50 بالمائة، وإنشاء خلايا تقنية لمتابعة الوضع الميداني عبر الولايات.
ويرى خبراء أنّ هذه الإجراءات تعكس تحوّلا في توجيه الدعم العمومي، بالانتقال من الدعم التقليدي إلى دعم تقني وإنتاجي يركّز على تحسين المردودية وتقليص الخسائر.
مضاعفة المردودية وتحقيق الاكتفاء الذاتي
ترتكز الرؤية الجديدة للقطاع الفلاحي، تنفيذا لتوجيهات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، على رفع مردودية الحبوب من 15 قنطارا في الهكتار إلى 30 قنطارا على الأقل، عبر اعتماد مسارات تقنية دقيقة، تعميم السقي الحديث، وتحسين نوعية البذور والأسمدة.
كما تعمل الوزارة الوصية في هذا السياق، على توسيع المساحات المزروعة خاصة في الجنوب، الذي أصبح يمثل أحد أهم الأقطاب الفلاحية بفضل المشاريع الكبرى والاستثمارات المتزايدة في السقي المحوري والطاقة والمكننة.
ويؤكّد المختصّون أنّ الجزائر قطعت خلال السنوات الأخيرة، خطوات مهمة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في عدد من المنتجات الفلاحية، غير أن شعبة الحبوب تبقى من أكبر التحديات التي تسعى الدولة إلى كسبها، بالنظر إلى حجم الاستهلاك الوطني.
ويرى مهنيون أنّ الإمكانات التي تم تجنيدها لموسم الحصاد الحالي، إلى جانب الدعم الموجّه للفلاحين، تعكس إرادة حقيقية لبناء فلاحة عصرية ومنتجة ومستدامة، قادرة على ضمان الأمن الغذائي وتقليص التبعية للأسواق الخارجية.
”الـــــدرون” يراقــــــب المحاصيـــــل.. سابقــــة
تسجّل هذه الحملة دخول أدوات تكنولوجية جديدة إلى الميدان الفلاحي، على غرار استعمال الطائرات بدون طيار “الدرون” لمراقبة المحاصيل الزراعية، والكشف المبكّر عن الأمراض النباتية وضبط عمليات التسميد.
وتعكس هذه الخطوة، توجّه الجزائر نحو فلاحة ذكية قائمة على المعطيات العلمية والتقنيات الحديثة لرفع الإنتاج وتحسين نوعية المحاصيل، حيث يؤكّد مختصّون أنّ استعمال “الدرون” سيوفر معطيات دقيقة حول حالة المحاصيل، ما يساعد على اتخاذ قرارات سريعة وفعّالة، خاصة في المساحات الكبرى بالولايات الجنوبية.
التخزيـــــــن.. مشـــــــــــروع استراتيجــــــــــي
بالتوازي مع التحضير لحملة الحصاد والدرس، تواصل السلطات العمومية تنفيذ برنامج ضخم لتوسيع قدرات تخزين الحبوب، بعدما أصبح التخزين يشكّل أحد أهم التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي.
ويجري العمل على إنجاز 30 صومعة استراتيجية بسعة مليون قنطار لكل واحدة، إضافة إلى 350 مركز تخزين جواري، بهدف رفع قدرات التخزين الوطنية من 4 ملايين طنّ إلى 9 ملايين طن، كما تمّ توفير 307 مراكز جوارية لتخزين الحبوب خلال الموسم الحالي، ما يسمح بتخفيف الضغط على مراكز التجميع الكبرى وتقريب خدمات التخزين من الفلاحين.
ويعتبر خبراء أنّ هذه المشاريع ستساهم في تقليص الخسائر وتحسين ظروف حفظ الحبوب، خاصة في ظل ارتفاع الإنتاج الوطني خلال السنوات الأخيرة.




