الموســـــــم واعــــــد والمؤشّـــــرات تحمــــل بشائـــــر السيـــــادة الغذائيــــــة ^ خلــــــق صناعــــــات تحويليـــــة وضمــــــان قيمـــــــة مضافــــــة.. توطــــين التقانـة
تتّجه الأنظار هذا الموسم نحو مساحات شاسعة من الذهب الأصفر، حيث تضع الدولة رهان السيادة الغذائية في صدارة الأولويات عبر تعبئة وطنية غير مسبوقة لإنجاح حملة الحصاد والدرس، وفي قراءة تحليلية لمؤشّرات الموسم الفلاحي، يكشف نائب رئيس المجلس المهني لشعبة الحبوب والخبير في الزراعات الاستراتيجية، عبد الغني بن علي، عن “تحول كبير” في إنتاج الحبوب بالجزائر خلال هذا الموسم.
أكّد نائب رئيس المجلس المهني لشعبة الحبوب، والخبير في الزراعات الاستراتيجية، عبد الغني بن علي، أنّ المؤشّرات الأولية لهذا الموسم تبعث على تفاؤل غير مسبوق، ووصفه بـ«الموسم الواعد جدّا” بفضل الأمطار المتفرّقة التي شملت التراب الوطني من الغرب إلى الشرق وصولا إلى الهضاب العليا، ومع ذلك، لم يخلو تحليل الخبير من مساحة عتاب تقني، حيث يشير إلى “خسارة” مساحات شاسعة في الجهة الغربية للبلاد نتيجة تخوّف الفلاحين من الجفاف.
وأوضح بن علي: “لقد ضيّعنا مساحات كبرى في الولايات الغربية، التي تمتد على أكثر من مليون و200 ألف هكتار، فالمساحة المزروعة حاليا لا تتجاوز 370 ألف هكتار”، وعلق هذا التراجع على تخوّف بعض الفلاحين من الجفاف المتراكم لسنوات، ما أدى إلى امتناعهم عن الحرث، ولو أنهم غامروا وزرعوا – يقول محدثنا- “لكانوا اليوم في خيرات كبيرة مثل إخوانهم، خاصة مع هذا العام الماطر والجيد”.
ويرى الخبير أنّ استراتيجية وزارة الفلاحة عبر الديوان الوطني للحبوب، أحدثت فارقا حقيقيا هذا العام من خلال خلق مؤسّسات متخصّصة لكراء العتاد، والتي اقتنت في ظرف وجيز أحدث الحصّادات والآلات، لمواجهة مخاوف “الضياع” أثناء الحصاد الذي طالما شكّل الثقب الأسود الذي يلتهم جهود الفلاحين، مشيرا إلى أنّ حملة الحصاد التي بدأت في الولايات الجنوبية تسير بانتظام تام بفضل توفر المكننة الحديثة التي وفّرتها الدولة، لافتا إلى مواجهة تحدٍّ جديد وهو نقص اليد العاملة المؤهّلة لتسيير هذه الآلات المتطورة، خاصة مع توسّع المساحات وزيادة إقبال الفلاحين على الميدان بفضل التحفيزات التي توفرت هذا الموسم، مضيفا أنّ هذا التحول نحو المكننة لا يقلل الخسائر فحسب، بل يضمن سرعة التدخّل قبل حدوث أي طوارئ مناخية.
الرّواق الأخضر والنمو الاقتصادي
انتقل بن علي في تحليله من الجانب التقني إلى البعد الاستراتيجي، مؤكّدا أنّ الجزائريين اليوم باتوا يأكلون من إنتاج أرضهم، وأنّ الحديث تجاوز “الأمن الغذائي” ليصل إلى “السيادة الوطنية”، مشيرا إلى أنّ قطاع الحبوب يساهم بقوة في الناتج المحلي الإجمالي، حيث حلّ في المرتبة الثانية بعد المحروقات، ما يعكس الأهمية الاقتصادية المتزايدة للفلاحة.
وثمّن محدثنا دور رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الذي وضع قطاع الفلاحة في “رواق أخضر” من حيث التسهيلات والتحفيزات، داعيا الإطارات المسيّرة للقطاع إلى التعامل بجدية أكبر وتشاور دائم مع الفلاحين للنظر في خصوصيات منتجاتهم، قائلا: “لا بد أن يظل الفلاح رابحا حتى لا نخسره، ولكي يبقى صامدا في الميدان”.
وفي سياق المرافقة الميدانية، لم يغفل بن علي عن طرح ملف التأمين الفلاحي والتمويل الصغير والمتوسّط، كأحد العوائق التي تحتاج إلى معالجة جذرية، مؤكّدا أنّ عزوف الفلاحين عن التأمين سببه ما أسماه “الإجحاف”، والتخوّف من عدم تحصيل الفوائد والتعويضات، ودعا أن تقبل وزارة المالية مواد ونماذج جديدة في التأمين والتمويل، تناسب طبيعة النشاط الزراعي وتضمن استقرار المزارع ماليا وتضعها في أريحية الإنتاج.
شراكات دولية وتوطين التكنولوجيا
من جهة أخرى، أشار محدثنا إلى الاهتمام الدولي الواسع بالاستثمار في شعبة الحبوب بالجزائر، ليسجّل رغبة دول مثل قطر، إيطاليا، تركيا، والسعودية في الدخول في شراكات استراتيجية، ليربط هذا الإقبال بالمناخ المحلي المتميز ووفرة المياه في الجنوب.
وشدّد بن علي على أنّ الهدف الأسمى هو السيادة الوطنية من خلال توطين التكنولوجيا، فما نهدف إليه هو “نقل التقنيات الحديثة وخلق صناعات تحويلية على أرض الجزائر، لضمان قيمة مضافة وتوفير مناصب شغل، فالسيادة الحقيقية تكمن في التحكّم في البذور والمكننة والتحويل معا، ونحن اليوم نمتلك الماء والمناخ والإرادة”.
بالموازاة مع ذلك، أكّد بن علي أنّ الجزائر حقّقت قفزة نوعية، خاصة في السنوات الأخيرة، نتيجة التكامل بين الإرادة السياسية، المرافقة التقنية، والاستثمار في المكننة، ما وضع حجر الأساس لنموذج زراعي مستدام.
وأبرز محدثنا أنّ الجزائر انتقلت من مرحلة الحديث عن الأمن الغذائي إلى السيادة الغذائية الكاملة، فكل المؤشّرات اليوم في خانة “الأخضر”، وهو ما جعل الجزائر في أريحية تامة بخصوص الحبوب منذ أزمة كورونا، قبل أن يضيف بالقول: “نحن في طريقنا لتحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل في الشعير والقمح الصلب، ونعمل للوصول إلى نفس النتيجة في القمح اللين والذرة الصفراء، طالما أننا نعتمد على المهنيين الحقيقيين الذين هم في الميدان”.





