فضاء رقمي متكامل يمنـح الشبـاب مفاتيح المقاولاتيـة الخضراء
13 مليون طن من النفايات المنزلية سنويا.. وجهة جديدة للاستثمار
200 مليار دينار سنة 2024 ..رقم يعكس حجم الثروة النائمة
تشهد الجزائر في السنوات الأخيرة، تحولا اقتصاديا حقيقيا يهدف إلى تنويع مصادر الدخل خارج قطاع المحروقات، ووسط هذا التحول يبرز “الاستثمار الأخضر” ضمن أهم القطاعات الواعدة التي تجمع بين تحقيق الربح الاقتصادي والمحافظة على البيئة، وقد أصبحت المقاولاتية الخضراء، خاصة في مجال تحويل واسترجاع النفايات، تستقطب الشباب حاملي المشاريع، مدعومين بترسانة من الآليات والمؤسسات التي توفر المرافقة التقنية والمالية.
تكشف الأرقام المتعلقة بقطاع النفايات في الجزائر، عن وجود سوق ضخمة لا تزال تستغل بنسبة محدودة، بالرغم من الفرص الاقتصادية والاستثمارية الهامة التي توفرها، حيث تشير التقديرات إلى أن الجزائر تنتج سنويا 13 مليون طن من النفايات المنزلية وما شابهها، في حين يقدر معدل الاسترجاع الحالي بحوالي 10 بالمائة، وهو ما يضع الجزائر في المرتبة السادسة عربيا والثالثة إفريقيا.
لكن بالرغم من هذا التقدم المسجل في مجال استرجاع النفايات، تبقى نحو 90 بالمائة من النفايات القابلة للتثمين فرصة استثمارية حقيقية غير مستغلة، إذ لا تزال ترمى أو توجه إلى مراكز الردم دون استغلال اقتصادي فعلي.
وبحسب تقديرات الوكالة الوطنية للنفايات، تجاوزت قيمة سوق النفايات في الجزائر خلال سنة 2024 بأكثر من 200 مليار دينار، وهو رقم يعكس حجم الثروة التي يمكن للشباب استغلالها من خلال مشاريع مبتكرة، سواء من خلال عمليات الجمع والفرز، أو عبر الصناعات التحويلية والتدوير.
هذه المؤشرات تجعل من قطاع النفايات أحد أهم القطاعات المستقبلية القادرة على خلق الثروة واستحداث مناصب الشغل، خاصة أمام ارتفاع الطلب العالمي على المواد المعاد تدويرها، والتوجه نحو الاقتصاد الدائري الذي يقوم على إعادة استعمال الموارد وتقليص النفايات.
المقاولاتية الخضراء
ولم يعد الاستثمار الأخضر يقتصر على جمع النفايات فقط، بل تحول إلى نشاط اقتصادي متكامل يقوم على إنشاء مؤسسات تستثمر في حماية البيئة وتحقيق الربح في الوقت نفسه، من خلال إعادة التدوير وتقليص التلوث وإنتاج مواد صديقة للبيئة.
وفي الجزائر، بدأ هذا النوع من المشاريع يلقى اهتماما متزايدا لدى الشباب، خاصة مع توجه الدولة نحو تشجيع الاستثمار خارج قطاع المحروقات، ودعم المؤسسات الناشئة، وفتح المجال أمام المؤسسات الناشئة والمقاولين الشباب للاستثمار في مجالات مبتكرة، كما ساهم التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر وتقليص البصمة الكربونية في فتح فرص جديدة أمام مشاريع الرسكلة والتثمين، خاصة في مجالات البلاستيك والورق والمعادن، ما يعزز فرص نجاح مشاريع التثمين والرسكلة داخل الجزائر.
«المستثمر البيئي”.. بوابة رقمية متكاملة
وفي إطار تشجيع الاستثمار الأخضر ومرافقة حاملي المشاريع البيئية، أطلقت وزارة البيئة وجودة الحياة المنصة الرقمية “المستثمر البيئي”، التي تعد فضاء رقميا متكاملا يهدف إلى تسهيل ولوج الشباب والمستثمرين إلى عالم المقاولاتية البيئية.وتوفر المنصة معلومات حول فرص الاستثمار المتاحة عبر مختلف الولايات، بحسب طبيعة النشاط، سواء تعلق الأمر بالرسكلة أو معالجة النفايات الصناعية والمنزلية، على غرار البلاستيك، والورق، والزجاج، والمعادن.
كما تتيح للمستثمرين الاطلاع على آليات التمويل والدعم التي توفرها أجهزة الدولة، مثل الوكالة الوطنية لدعم وتنمية المقاولاتية والوكالة الوطنية لتسيير القرض المصغر.
وتمنح المنصة كذلك إمكانية الاستفادة من تكوينات متخصصة يشرف عليها المعهد الوطني للتكوينات البيئية، بهدف تطوير المهارات التقنية والإدارية للمستثمرين ومواكبة متطلبات الاستثمار البيئي الحديث.
ومن بين الخدمات التي توفرها أيضا، إمكانية إيداع طلبات الاعتماد إلكترونيا ومتابعة مراحل معالجتها عبر فضاء رقمي تفاعلي، بما يساهم في تبسيط الإجراءات وتعزيز الشفافية وتسريع دراسة الملفات، في خطوة تعكس توجه السلطات نحو رقمنة الخدمات ودعم الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة.
إمكانات بسيطة للبداية
يؤكد مختصون أن الاستثمار في مجال النفايات لا يتطلب دائما رؤوس أموال كبيرة، إذ يمكن للشباب إطلاق مشاريع صغيرة تعتمد على جمع وفرز البلاستيك والكرتون والورق والمعادن، قبل توجيهها إلى وحدات التحويل، كما يمكن استغلال بعض النفايات في الصناعات التقليدية والحرفية، وهو ما يسمح بخلق نشاطات مصغرة بتكاليف محدودة.
في المقابل، توجد مشاريع صناعية أكبر تتعلق بتحويل النفايات إلى مواد أولية أو منتجات جديدة، وهي مشاريع تتطلب تجهيزات وتقنيات متطورة واستثمارات مالية معتبرة.
وتبقى نفايات البلاستيك، خاصة مادة “PET”، من أكثر المواد المطلوبة في السوق، إلى جانب الورق والكرتون وبعض النفايات المعدنية والإلكترونية التي أصبحت تمثل سوقا واعدة على المستوى العالمي.
قوانين تنظم النشاط وتحمي البيئة
يخضع قطاع تسيير النفايات في الجزائر لجملة من القوانين والتنظيمات التي تهدف إلى حماية البيئة وتنظيم مختلف النشاطات المرتبطة بالنفايات، وتختلف الإجراءات المطلوبة بحسب طبيعة النشاط ونوع النفايات المعالجة، حيث تحتاج بعض المشاريع إلى تراخيص واعتمادات خاصة، لاسيما تلك المتعلقة بالنفايات الخطيرة أو الصناعات التحويلية الكبرى، كما تخضع بعض المشاريع إلى دراسات تأثير على البيئة قبل منح التراخيص اللازمة.
ويرى مختصون أن الإلمام بالجوانب القانونية والإدارية منذ بداية المشروع يسمح بتفادي العراقيل وتسريع إجراءات الاستثمار.
دراسة الجدوى.. مفتاح النجاح
يجمع خبراء البيئة ومختصون على أن دراسة الجدوى تبقى من أهم المراحل قبل إطلاق أي مشروع أخضر، لأنها تساعد على تقييم فرص نجاح المشروع وضمان استمراريته، وتسمح هذه الدراسات بتحديد حجم النفايات المتوفرة، والتجهيزات الضرورية، والكميات القابلة للمعالجة، إضافة إلى دراسة السوق والزبائن المحتملين، كما تمكن المستثمر من معرفة تكاليف المشروع والأرباح المتوقعة، وتفادي التوقف المبكر بسبب غياب التخطيط أو ضعف دراسة السوق.ويؤكد مختصون أن نجاح الاستثمارات الخضراء في الجزائر تبقى مرتبطة بحسن استغلال الإمكانات المتوفرة، ومرافقة الشباب، وتطوير ثقافة الاقتصاد الأخضر، بما يسمح بتحويل النفايات من عبء بيئي إلى مصدر حقيقي للثروة والتنمية.






