رواية الأرجوحة، للكاتبة الفلسطينية سماء زعانين، عمل أدبي يضع القارئ، منذ العنوان، في حالة من التذبذب وفقدان اليقين وتلك الأرض الصلبة التي يقف عليها.. هو عمل يستحق أن نقف عنده، لما يحمله من رمزية عالية، وتداخل بين الواقع النفسي والسياسي.
فالأرجوحة ليست مجرد عنصر بصري، وذكرى حميمة عند الشخصيتين الرئيسيتين، ورد ويوسف، في تذهب أبعد من ذلك لتكون بنية رمزية تحكم الرواية بأكملها، حيث نتأرجح مع سماء بين المشاهد، والمشاعر، والشخصيات، بين الذاكرة والنسيان، والأمل واليأس، والداخل والخارج.
تأخدنا الرواية بصفحاتها الـ248 إلى تلك المساحات التي لا تلتقطها الكاميرات. فهي المشاهد التي لا نراها على شاشات الأخبار، ولا تنقلها وسائل التواصل. هي الصور التي تكون أبعد من الحدث، وأصعب من تخيله. هي أنين الخيام المغلقة. الفقد الذي لا مساحة لديه للحداد، الحب الذي تخونه الحرب، الحرية التي تأتي مع الألم، والنجاة المشبعة بالشعور بالذنب. فتنجح الرواية في دمج الهم الشخصي بالهم العام، دون أن تسقط في المباشرة، فتظهر السياسة بوصفها خيارا مفروضا لا فضيلة مطلقة.
للحياة في الحرب خيالات لا نقوى على حملها، فجاءت سماء لترسمها لنا، بلغة شاعرية مكثفة، فيها من الحب كما فيها من القسوة، وبرمزية توظف الأشياء الصغيرة البسيطة لتعكس معان إنسانية وسياسية أكبر.
جاءت الرواية لتكسر قداسة الصمود، وتقول بأن البطولة كانت رهان من لا خيار له، وأن في الخيام ينمو الضعف والكسرة كما ينمو الخير والتكافل، من خلال شخصيات واقعية في هشاشتها، وفي ردّات أفعالها، وفي قراراتها التي توازن الخير والشر، والصواب والخطأ، فتكون شاهدا على فترة زمنية، ستبقى في ذاكرة التاريخ وصمة عار على الإنسانية، من خلال الخذلان العالمي الذي صدمنا جميعا. فكانت هذه الشخوص مرايا تعكس تشظّي الرّوح الفلسطينية المتعبة في هذه اللحظة التاريخية القاسية.
لا تكتفي الأرجوحة بكونها قصة حب، بل تبدو محاولة دائمة لترميم ما تهدمه الحرب يوميا. فتغدو الرسائل المتبادلة بين ورد ويوسف الخيوط التي تمسّك الأرجوحة وتربط هذا التوازن الهش. كما يحضر المكان بوصفه عنصرا فاعلا، يضغط على الشخصيات ويعيد تشكيلها، فهو ليس مجرد جغرافيا، بل رائحة الذكريات التي تطارد الشخصيات. ففي الخيمة، حيث تضيق الحياة وتتشابك، تصبح الذاكرة هي الوطن، ويصبح التمسك بالتفاصيل الصغيرة كالثوب، أو المقهى، أو الوجه، أو الكلمة، هو مقاومة ضد المحو والاندثار.
في نهايتها، تتركنا الرواية أمام تساؤل أخلاقي مفتوح: هل النجاة انتصار أم عبء؟ وهل يمكن أن ننجو حقا عندما نبتعد، أم تظل الوجوه التي تركناها خلفنا تلاحقنا أينما نذهب؟
تأتي النهاية المفتوحة التي رسمتها سماء منسجمة مع روح الرواية، ومع حركة الأرجوحة نفسها، التي لا تستقر على حال. فتعود بنا سماء إلى البداية، فتلوح لنا بخيط رفيع من الأمل؛ أمل بالتعافي، وبالتغيير، وبإمكانية بناء معنى جديد، رغم كل ما انكسر. فتسأل سماء وتجيب على لسان ورد ويوسف:
«وهل سنعود نحن إلى الوطن؟”
«أتعرفين حين أنظر داخل عينيك ماذا أرى؟”
«ماذا؟”
«الأمل!”






