بنيــة تحتية سياديــة لاستضافـــة البيانـــات الوطنية وفـــق المعايــير الدوليــة
محطــة مفصليـــة تختــزل سنــوات مــن الإصلاحـات لترسيــخ خيــار استراتيجي
دخلت الجزائر، مرحلة جديدة في مسار بناء الدولة الرقمية، بعدما أشرف رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، على تدشين المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية بالمحمدية، في مشروع يعد الأكبر من نوعه في البلاد، والأول الذي يوفّر بنية تحتية سيادية لاستضافة البيانات الوطنية وفق المعايير الدولية.
لم يكن هذا الإنجاز حدثا تقنيا فحسب، بل محطة مفصلية تختزل سنوات من الإصلاحات المتواصلة التي قادتها الدولة لترسيخ الرقمنة كخيار استراتيجي، وجعلها إحدى أهم ركائز تحديث الإدارة، وتحسين الخدمة العمومية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وجاء تدشين هذا الصرح الرّقمي بالتزامن مع الاحتفال بالذكرى الرابعة والستين لعيد الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية، ليؤكّد أنّ مفهوم السيادة في الجزائر الجديدة لم يعد يقتصر على حماية الحدود، بل أصبح يمتد إلى حماية البيانات الوطنية، وتأمين الفضاء الرقمي، وبناء منظومة معلوماتية مستقلة تواكب التحوّلات العالمية المتسارعة.
منذ توليه قيادة البلاد، وضع رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، التحول الرقمي في صدارة الإصلاحات الكبرى، باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لبناء إدارة حديثة وأكثر شفافية ونجاعة. وأكّد في أكثر من مناسبة أنّ الرقمنة ليست خيارا يمكن تأجيله، وإنما ضرورة حتمية للقضاء على البيروقراطية، وتحسين تسيير المرافق العمومية، وتعزيز الثقة بين الإدارة والمواطن.
وترجمت هذه الرؤية في سلسلة من القرارات الهيكلية، كان أبرزها إنشاء المحافظة السامية للرقمنة، لتتكفّل بإعداد السياسة الوطنية في هذا المجال، ووضع البرامج التنفيذية الكفيلة بتجسيدها، بما يعكس توجه الدولة نحو رقمنة مختلف القطاعات الحيوية وفق رؤية موحّدة وشاملة، تحت شعار: «الجزائر الرقمية 2030».
خارطة طريق لبناء اقتصاد المعرفة
لقد وضعت الجزائر استراتيجية وطنية متكاملة للتحوّل الرقمي 2030 تحت شعار «الجزائر الرقمية 2030»، لتكون المرجعية الأساسية التي تقود مختلف المشاريع الرقمية خلال السنوات المقبلة، حيث ترتكز هذه الإستراتيجية على خمسة محاور رئيسية، تتمثل في تطوير البنية التحتية الرقمية، وتنمية رأس المال البشري، وتعزيز الحوكمة الرقمية، وتطوير الاقتصاد الرقمي، وبناء مجتمع رقمي شامل، بما يسمح بإحداث تحول عميق في طرق التسيير والإنتاج والخدمات.
كما تتضمّن الاستراتيجية خطة تنفيذية دقيقة مدعّمة بمؤشّرات أداء تسمح بقياس نسب الإنجاز وتقييم النتائج بصورة دورية، بما يضمن الانتقال التدريجي نحو إدارة رقمية متكاملة، واقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا والابتكار والخدمات الذكية.
ولا تقتصر أهداف «الجزائر الرقمية 2030» على رقمنة الإدارة فقط، بل تمتد إلى تعميم الخدمات الرقمية، وتحسين ولوج المواطنين إليها، وتشجيع الاستثمار في الاقتصاد الرقمي، وخلق بيئة ملائمة للمؤسّسات الناشئة وحاملي المشاريع المبتكرة، بما يجعل الرقمنة محرّكا أساسيا لتنويع الاقتصاد الوطني.
قانون إطار يزيل العراقيل ويوحّد الرؤية
إدراكا من السلطات العليا في البلاد، بأنّ نجاح التحول الرقمي يستوجب منظومة قانونية متكاملة، تمّ الشروع في إعداد مشروع قانون إطار للرّقمنة، يهدف إلى توحيد المرجعية القانونية المنظمة لهذا القطاع، ورفع العراقيل التي كانت تعيق تجسيد المشاريع الرقمية.
وفي هذا السياق، يشكّل هذا التصوّر حجر الأساس لتنظيم قطاع الرقمنة، والمرجع القانوني الذي سيسمح بضبط مختلف الجوانب المرتبطة بالتحول الرّقمي في الجزائر، وتزامنا مع ذلك، تمّ إطلاق أول عملية وطنية لإحصاء أنظمة المعلومات بمختلف القطاعات، في خطوة هدفت إلى بناء قاعدة بيانات دقيقة تسمح بإعداد المخطّط التوجيهي الوطني للتحول الرّقمي، وفق معطيات واقعية واحتياجات فعلية.
تتويج سنوات من الإنجاز
يعد المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية أبرز ثمار هذه الإصلاحات، باعتباره أول بنية تحتية رقمية سيادية بهذا الحجم في الجزائر، مخصّصة لاستضافة البيانات الوطنية وضمان استمرارية الخدمات الرقمية داخل التراب الوطني.
ويتكون المشروع من مركزي بيانات وطنيين بولايتي الجزائر والبليدة، بما يضمن استمرارية الخدمة دون انقطاع، ومزامنة فورية للبيانات، مع نسبة جاهزية تصل إلى 99.98 بالمائة، إضافة إلى قدرات متقدّمة للتعافي من الأعطال وتأمين استمرارية النشاط.
كما يعكس حصول مركز البيانات بالمحمدية، خلال شهر فيفري 2026، على شهادة «Tier III Design» الدولية، مستوى التطور الذي بلغته الجزائر في مجال استضافة البيانات، واحترامها للمعايير العالمية الخاصة بالأمن والتشغيل وجودة الخدمات.
رقمنة الخدمات العمومية.. إدارة أقرب إلى المواطن
لم يكن الهدف من مسار الرقمنة إنشاء بنى تحتية معلوماتية متطورة فحسب، بل توجيه هذه الإمكانات لتحسين الخدمة العمومية وتبسيط الإجراءات الإدارية، بما يجعل المواطن المستفيد الأول من هذا التحول.
وفي هذا الإطار، تمكّنت السلطات العليا ببلادنا خلال 2022، رقمنة 454 خدمة عمومية، في إطار برنامج يهدف إلى تعميم الخدمات الإلكترونية على مختلف القطاعات. وكشفت الوزيرة المحافظة السامية للرّقمنة، مريم بن مولود، عن إنجاز 46 عملية ربط بالألياف البصرية بعيدة المدى لفائدة الدوائر الوزارية والهيئات العمومية، وهي العملية التي ستضمن نقل المعطيات من هذه الهيئات إلى قاعدة البيانات الوطنية.
كما أطلقت البوابة الوطنية للخدمات الرقمية، في نسختيها الخاصة بالويب والهواتف الذكية، لتكون فضاء موحّدا يتيح للمواطنين والمتعاملين الاقتصاديّين الولوج إلى مختلف الخدمات الحكومية بطريقة آمنة وسريعة، دون الحاجة إلى التنقل بين الإدارات، وأكّدت بن مولود أنّ التحول الرقمي يرمي إلى إرساء نموذج جديد للتسيير العمومي، يقوم على تحسين العلاقة بين الإدارة والمواطن، وتقديم خدمات أكثر سرعة وجودة وشفافية، مع ربح الوقت وتخفيف الأعباء الإدارية، بما يواكب تطلّعات المواطنين والمتعاملين الاقتصاديّين.
تعزيز التنمية ودعم الاقتصاد
امتدت عملية التحول الرقمي إلى مختلف القطاعات الاستراتيجية، في تجسيد للرؤية الرامية إلى تعميم الرقمنة على جميع مرافق الدولة، ففي قطاع التعليم العالي، تمّ إطلاق منصّات رقمية جديدة، إلى جانب تطوير منصّة «بروغراس» الخاصة بالتوجيه الجامعي، ومنصة إلكترونية لتجديد المنح الدراسية، وهو ما سمح للطلبة بإنجاز مختلف الإجراءات عن بعد، وساهم في تحسين الخدمات الجامعية والرفع من فعالية التسيير الإداري.
وفي قطاع الفلاحة، جرى تطوير نظام معلومات فلاحي ومنصّات توفّر قاعدة بيانات دقيقة تساعد في اتخاذ القرار، إلى جانب إطلاق منصة رقمية لتسجيل وبيع أضاحي العيد، وهو ما أسهم في تنظيم هذه العملية الموسمية، وضمان شفافية أكبر في تسييرها، كما تمّ إطلاق المنصة للالكترونية مؤخّرا «hassad.dz» لتمكين الفلاحين من طلب الحصادات، لتسهيل عمليات الحصاد.
الأمن السيبراني.. حماية السيادة الرّقمية
مع اتساع رقعة الخدمات الرقمية، برز الأمن السيبراني كأحد أهم التحديات المرتبطة بحماية البيانات الوطنية وضمان سلامة الأنظمة المعلوماتية. ولهذا عملت الجزائر على إعداد الاستراتيجية الوطنية للأنظمة المعلوماتية، التي نشرت من قبل وكالة أمن الأنظمة المعلوماتية لوزارة الدفاع الوطني، حيث تتولى هذه الاستراتيجية، ضمان المرونة السيبرانية الوطنية وحماية البنية التحتية الرّقمية للدولة، وحماية قواعد البيانات الوطنية، وحماية المواطنين بالتصدي لمختلف التهديدات والهجمات السيبرانية، بما يرسّخ مفهوم السيادة الرقمية ويضمن استمرارية الخدمات الإلكترونية في مختلف الظروف.
شراكات دولية لنقل الخبرة وتسريع التحول
بالتوازي مع بناء القدرات الوطنية، انفتحت الجزائر على عدد من الشراكات الدولية الهادفة إلى الاستفادة من التجارب العالمية في مجال الرّقمنة، حيث أقامت تعاونا مع الاتحاد الأوروبي، والصين، وشركة «هواوي»، من أجل نقل التكنولوجيا، وتكوين الموارد البشرية، وتعزيز الكفاءات الوطنية، والاستفادة من أحدث الحلول الرقمية المعتمدة عالميا.
وتعكس هذه الشراكات حرص الجزائر على مواكبة التطورات التكنولوجية الدولية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلالية قرارها الرقمي، وبناء منظومة وطنية قادرة على التطور اعتمادا على كفاءاتها وإمكاناتها.
وبتدشين المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية، تكون الجزائر قد انتقلت من مرحلة إعداد التصورات والاستراتيجيات إلى مرحلة الإنجاز الفعلي للمشاريع السيادية الكبرى، بعد سنوات قليلة من الإصلاحات التي مسّت الجوانب المؤسّساتية والتشريعية والتقنية والبشرية.
ولم تعد الرقمنة مجرّد وسيلة لتبسيط الإجراءات الإدارية، بل أصبحت خيارا استراتيجيا لبناء اقتصاد أكثر تنافسية، وتحسين مناخ الاستثمار، وترقية الخدمات العمومية، وتعزيز الشفافية، ورفع كفاءة المؤسّسات، بما ينسجم مع مساعي تنويع الاقتصاد الوطني والتحول نحو اقتصاد المعرفة.
وتمضي الجزائر المنتصرة بخطى ثابتة نحو بلوغ أهداف «الجزائر الرقمية 2030»، من خلال مواصلة الاستثمار في الكفاءات، وتوسيع قاعدة الخدمات الإلكترونية، وترسيخ ثقافة التعامل الرقمي، حيث أنّ المؤشّرات تؤكّد أنّ الجزائر وضعت أسس تحول رقمي حقيقي، مدعوم بإرادة سياسية واضحة، ورؤية استراتيجية متكاملة، وبنية تحتية سيادية حديثة، بما يؤهّلها لاحتلال مكانة متقدمة في الاقتصاد الرقمي، وترسيخ سيادتها في عالم أصبحت فيه البيانات والثقة الرقمية من أهم مقوّمات القوة والتنمية.
المحافظة السامية للرّقمنة:
dzds.dz ..الرابط الرّسمي والوحيد للبوابة الوطنية للخدمات الرقمية
أفادت المحافظة السامية للرقمنة، أمس، في بيان لها، أنّ الرابط الرسمي والوحيد للبوابة الوطنية للخدمات الرقمية Dzair Digital Services هو: «dzds.dz»، داعية جميع المستخدمين إلى «التحقّق من عنوان الموقع لتفادي أي لبس أو الوقوع في مواقع غير رسمية».




