الإنذار المبكر والتخزين الاستراتيجي أدوات استباقية تكبـح المضاربة
تحوّل تنظيمي مُحكم.. البيانات الرقمية لتعزيز الشفافية والتوازن
تمثل التوجيهات الصارمة لرئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، والاجتماع الوزاري المشترك الذي خصص لدراسة إشراك وكلاء أسواق الجملة في المتابعة اليومية للأسعار، تحوّلا مفصليا في مقاربة الدولة لتنظيم سوق الخضر والفواكه وضبط مساراتها، وإرادة واضحة لتعزيز الرقابة على السوق والحد من الاختلالات التي تنعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطن، بما يرسخ منظومة وطنية أكثر فعالية واستدامة لضبط الأسعار وحماية القدرة الشرائية.
وقال الخبير الاقتصادي عبد القادر بريش، إن الاجتماع الوزاري المشترك الذي ترأسه الوزير الأول، تنفيذا لتوجيهات الرئيس عبد المجيد تبون، يمثل خطوة مهمة نحو إرساء مقاربة أكثر تنظيما وشفافية في سوق الخضر والفواكه، باعتبارها سوقا ترتبط مباشرة بالقدرة الشرائية للمواطن، والأمن الغذائي، والتوازن بين مصالح المنتجين والتجار والمستهلكين.
وأكد بريش أن أهمية الآلية المقترحة بالاجتماع، تكمن في المتابعة اليومية للأسعار ووفرة المنتجات، إلى جانب التحوّل إلى منظومة مستدامة لتنظيم السوق وضبط أي اختلالات، بالإضافة إلى الحد من المضاربة، وتحقيق استقرار مستدام في الأسعار. وأوضح أن الآلية تقضي بالانتقال من رصد الأسعار بعد تشكلها، إلى استيعاب كيفية تشكلها، وتتبع مسار المنتجات، واستباق الاختلالات التي قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار.
حماية الفلاح والمستهلك
وقال بريش إن الآلية تركز على إنشاء مسار واضح وشفاف لتتبع المنتوج، انطلاقا من الفلاح ومناطق الإنتاج، مرورا بنقله وتسويقه في أسواق الجملة، ثم انتقاله إلى تجار التجزئة، وصولا إلى المستهلك النهائي، وأضاف أنه من الضروري معرفة الكميات التي تم إنتاجها وتسويقها، والأسعار التي تمت بها المعاملات، وتكاليف النقل والتخزين والفرز والتوضيب، وهوامش الربح التي تتشكل على امتداد سلسلة التسويق، وأكد أن تنظيم السوق يعزز الشفافية، ويحمي الفلاح من البيع بأسعار لا تعكس تكاليف إنتاجه، بمثل ما يحمي المستهلك من تحمل أعباء إضافية لا مبرر اقتصادي لها.
في السياق، يرى بريش أن هذا يبرهن على أهمية الرقمنة باعتبارها ركيزة أساسية لنجاح آلية تنظيم السوق، بما هي نقطة الانطلاق العملية بحكم أنها تمثل المحطة المركزية التي تتجمع فيها بيانات المنتجات القادمة من مختلف المناطق، ومنها يعاد توزيعها نحو أسواق التجزئة ومناطق الاستهلاك.
واعتبر بريش أن رقمنة العمليات بالأسواق، بداية من تسجيل دخول السلع وكمياتها ومصادرها، إلى توثيق المعاملات والأسعار والكميات المباعة والمخزنة، من شأنها أن توفر قاعدة بيانات يومية دقيقة ومترابطة، تسمح بتتبع حركة المنتوج من المزرعة إلى السوق، كما ينبغي أن تتكامل هذه البيانات مع المعلومات المتاحة لدى المصالح الفلاحية والجهات المكلفة بالتخزين والنقل والتوزيع، حتى تتكوّن رؤية واضحة ومحينة عن وضعية السوق على المستوى الوطني، مع مراعاة خصوصية كل منطقة واختلاف أنماط الاستهلاك والتموين فيها.
التخزين والإنذار المبكر
وسجل بريش أن الرقمنة تشكل الأساس لبناء آلية إنذار مبكر قادرة على استشراف الاختلالات قبل انعكاسها على الأسعار؛ فالبيانات تسمح برصد تراجع الكميات الواردة إلى أسواق الجملة، أو ارتفاع الطلب على منتوج معين، أو تركز المخزونات في مناطق محددة، ما يسمح للسلطات المعنية باتخاذ التدابير في الوقت المناسب، سواء من خلال إعادة توجيه الكميات المتاحة، أو تسهيل عمليات التموين والنقل، أو تفعيل المخزونات الاحتياطية عند الحاجة.
وأوضح بريش أن سياسة التخزين والتبريد تكتسي أهمية استراتيجية، لأن تنظيم السوق لا يقتصر على مراقبة ما يدخل يوميا، وإنما يشمل إدارة الفائض الموسمي واستثماره لتغطية فترات نقص العرض، وأكد أنه من الضروري تطوير آلية منظمة لتخزين المنتجات القابلة للحفظ خلال فترات وفرة الإنتاج، وفق شروط تقنية وصحية مناسبة، ثم إخراج الكميات المخزنة وضخها تدريجيا في الأسواق عندما يتراجع العرض أو تظهر مؤشرات على ارتفاع غير مبرر للأسعار.
ويرى محدثنا أن تتم عملية الرقابة اليومية بناء على بيانات دقيقة، وبرمجة مسبقة، وتنسيق بين المنتجين والمتعاملين الاقتصاديين والجهات المختصة، بما يحافظ على جودة المنتجات ويحد من ضياعها، ويراهن على أن الربط بين الرقمنة والتخزين وآلية الإنذار المبكر من شأنه أن ينقل تدخل المصالح المعنية من معالجة الندرة بعد وقوعها، إلى إدارتها بصورة استباقية، وإلى تنظيم العرض والطلب على مدار العام. ما يجعل المخزونات أداة لتحقيق التوازن في السوق.
إشهار الأسعار يعزّز الشفافية
بخصوص إشهار الأسعار في أسواق الجملة والتجزئة، قال بريش إنه عنصر ضروري ومكمل للمنظومة؛ لأنه يتيح للمستهلك الاطلاع على الأسعار ومقارنتها، ويعزز المنافسة والشفافية، وقال إنه لا ينبغي أن يتوقف عند تعليق الأسعار أو نشرها، وإنما ينبغي أن يرتبط بنظام معلومات يسمح بمتابعة تطورها، ورصد الفوارق بين المناطق والأسواق، وتفسير أسبابها، مع توفير معلومات واضحة للمستهلك حول الأسعار المرجعية المتداولة، دون الخلط بين السعر المرجعي والسعر المفروض إداريا.
وفيما يخص ترسيخ استقرار الأسعار، يرى بريش أن تحققها يتطلب آلية دائمة للتنسيق بين القطاعات المعنية والمنتجين ووكلاء أسواق الجملة وتجار التجزئة، مدعومة برقابة فعالة لأي ممارسة غير مشروعة، بمؤشرات واضحة لتقييم النتائج، تشمل انتظام التموين، وتطور الأسعار، والفوارق بين أسعار المنتج والجملة والتجزئة، وحجم الفائض والمخزون المتاح، ومدى انعكاس التدابير المتخذة على القدرة الشرائية للمواطن.
كبح المضاربة والممارسات المشبوهة
وتحدث عبد القادر بريش عن ورقة رفعها إلى وزيرة التجارة الداخلية، تخص ضبط سوق الخضر والفواكه، وقال إن مقترحاتها أشارت إلى عدم التراخي في المعالجة، لإرساء منظومة وطنية تحمي القدرة الشرائية، والنجاح في تتبع “مسار تشكل السعر” عبر حلقات التسويق، وعدم الاكتفاء بمراقبة السعر النهائي بعد فوات الأوان، كما تناول بريش في مقترحاته أهمية تجاوز الرقابة التقليدية، واقترح إرساء منظومة وطنية باسم “مسار”، تنطلق بتدرج ذكي من وثيقة ورقية موحدة (وصل شحن) ترافق المنتج من المزرعة أو المخزن إلى سوق الجملة، لتتحول فور دخولها السوق إلى مسار إلكتروني ورقمي، بقصد تتبع السعر عند كل محطة والتمييز بدقة بين الفوارق الناتجة عن تكاليف النقل والتخزين الحقيقية، والفوارق غير المبررة الناتجة عن المضاربة أو الممارسات المشبوهة.
وقال بريش إن المنظومة تقترح عصرنة أسواق الجملة لتصبح مراكز لوجستية ومعلوماتية، مدعومة بنظام للشفافية ينشر متوسطات الأسعار يوميا كمرجعيات، وآلية “إنذار مبكر” تعتمد على البيانات لتوجيه الرقابة الاستباقية نحو نقاط الاختلال الفعلي قبل ارتفاع الأسعار، واعتبر أن حماية القدرة الشرائية تتحقق ببناء منظومة معلوماتية تكشف مسار المنتج والسعر، ما يضمن للفلاح هامش ربح عادل يشجع على الإنتاج، وللمستهلك سلعا متوفرة بأسعار تعكس الواقع الاقتصادي.







