ماركات دولية كبرى اختارت الجزائر موطنا للإنتاج
يشكّل صالون الألبسة المصنّعة في الجزائر محطة هامة في مسار التحول الذي تشهده الصناعة الوطنية، لاسيما مع الحضور المتزايد للعلامات العالمية التي اختارت الجزائر كوجهة إنتاج. هذا التوجه لا يعكس فقط تحسن مناخ الأعمال وجاذبية السوق، بل يترجم إرادة واضحة للانتقال من نموذج الاستيراد إلى نموذج التوطين الصناعي، وخلق القيمة المضافة محليا.
قال المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية عبد الرحمان هادف، في تصريح لـ «الشعب»، إنّ حضور هذه العلامات يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى احترام المنتوج المحلي للمعايير الدولية، وقدرته التنافسية، والدور الهيكلي الذي يلعبه توطين العلامات في تطوير المنظومة الصناعية الوطنية.
وأضاف هادف في ذات السياق، أنّ الألبسة المصنعة محليا، خاصة تلك المنتجة في إطار شراكات مع علامات عالمية، تشهد تحسّنا ملحوظا في احترام المعايير الدولية للجودة، ويعود ذلك أساسا إلى اعتماد نفس دفاتر الشروط التقنية المعمول بها في المصانع الأمّ، والتي تشمل نوعية المواد الأولية، معايير الخياطة، ثبات الألوان، ومقاومة الغسل والاستعمال. هذا الالتزام يفرض أنظمة صارمة لمراقبة الجودة في مختلف مراحل الإنتاج، من اختيار القماش إلى المنتج النهائي.
من جانب آخر، أوضح الخبير أنّ توطين العلامات العالمية ساهم في نقل الخبرة الفنية والتكنولوجية إلى الوحدات الإنتاجية الجزائرية، سواء من خلال التأطير المباشر، التكوين المستمر، أو إدخال معدات وتقنيات حديثة في القص والتفصيل. هذا الأمر انعكس إيجابا على دقة الإنجاز وتناسق القياسات، وهو عنصر أساسي في صناعة الألبسة ذات البعد الدولي.
أما على مستوى التصميم، فقد سمح الاندماج في الشبكات العالمية للإنتاج بالاطلاع على الاتجاهات الحديثة للموضة ومواسمها، ما مكّن المصانع المحلية من تجاوز النمطية التقليدية، وتقديم منتجات تجمع بين الذوق العالمي والخصوصية المحلية، وهو تطوّر نوعي يعزّز القيمة الرمزية والجمالية للمنتوج الجزائري.
أما بالنسبة لقدرة المنتوج الوطني على المنافسة، فقال الخبير إن المنتوج الوطني، خصوصا المرتبط بعلامات عالمية، أضحى منافسا حقيقيا للألبسة المستوردة من حيث الجودة، وهو ما يمثّل تحوّلا في هيكلة السوق الوطنية، فالفارق الذي كان قائما في الماضي بين المحلي والمستورد بدأ يتقلص بشكل واضح، نتيجة تحسن الأداء الصناعي وتبنّي معايير إنتاج عالمية داخل المصانع الجزائرية.
وأفاد في ذات السياق، أنّ إحدى نقاط القوة الرئيسية للمنتوج المحلي تتمثل في قدرته على التكيف مع الطلب الوطني من حيث المقاسات، الأذواق، والمواسم، مقارنة بالمنتجات المستوردة التي غالبا ما تكون موجّهة لأسواق أخرى. كما أن عامل القرب الجغرافي يقلص آجال التوريد ويضمن استمرارية التموين، وهو عنصر تنافسي مهم في قطاع سريع التغير كقطاع الألبسة.
إضافة إلى ذلك، فإنّ تنافسية السعر للمنتوج الوطني عندما تقترن بجودة مماثلة للمستورد، تعزّز جاذبيته لدى المستهلك الجزائري. ومع تنامي الوعي بأهمية دعم الإنتاج المحلي، بدأت تتشكل ديناميكية جديدة في سلوك الاستهلاك، تقوم على الثقة في «صنع في الجزائر» بدل الاعتماد الكلي على الواردات.
وعن مساهمة توطين العلامات العالمية في تحسين جودة المنتوج الوطني وتعزيز الثقة، أكّد هادف أنّ توطين العلامات العالمية يعد رافعة استراتيجية لتحسين جودة المنتوج الوطني، لأنه يفرض تلقائيا الالتزام بمعايير العلامة وسمعتها الدولية. فهذه العلامات لا تكتفي بوضع اسمها على المنتج، بل تضمن تتبعا دقيقا لسلسلة الإنتاج، ما يرفع مستوى الانضباط الصناعي ويخلق ثقافة جودة داخل النسيج الإنتاجي المحلي.
كما يساهم هذا التوطين في تطوير الرأسمال البشري، من خلال تكوين اليد العاملة المحلية وفق معايير دولية، سواء في مجالات الخياطة المتخصصة، التصميم، أو إدارة سلاسل الإمداد. هذا الاستثمار في العنصر البشري يشكل أساسا لبناء قدرات صناعية وطنية قادرة على التطور الذاتي والانخراط في مراحل إنتاج أكثر تعقيدا وقيمة مضافة أعلى.
أما على مستوى ثقة المستهلك، فإنّ اقتران المنتوج المحلي بعلامة عالمية معروفة يلعب دورا حاسما في تغيير الصورة النمطية حول الصناعة الوطنية. فوجود نفس الجودة المعهودة مع إنتاج محلي، يعزّز مصداقية المنتوج الجزائري ويجعله خيارا طبيعيا لا بديلا اضطراريا، وهو ما ينعكس إيجابا على استقرار السوق وتوازنها.
وقال المتحدث إنّ توطين العلامات العالمية في صناعة الألبسة بالجزائر يتجاوز كونه خيارا صناعيا ظرفيا، ليصبح ركيزة أساسية في مسار بناء اقتصاد منتج وتنافسي. فقد أظهر هذا التوجه قدرته على رفع معايير الجودة، تحسين القدرة التنافسية، وفتح آفاق حقيقية للاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
وأكّد أنّ مع توفير بيئة داعمة تشمل تحفيز الاستثمار، تطوير النسيج الصناعي المرافق، وتعزيز التوجه التصديري، يمكن لصناعة الألبسة أن تتحول إلى أحد القطاعات الواعدة في استراتيجية تنويع الاقتصاد الوطني، وأن تكون واجهة مشرفة في الأسواق الإقليمية والدولية.





