إطـلاق مشاريــــع هيكلية وشراكــات فعليــة
عقدت، أمس بالجزائر العاصمة، أشغال الدورة الرابعة للجنة الحكومية المشتركة الجزائرية-التشادية، برئاسة مشتركة لوزير الدولة وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، ووزير الدولة وزير الشؤون الخارجية والتكامل الإفريقي والتشاديين في الخارج، عبد الله صابر فضل، وذلك بعد محادثات ثنائية سبقت افتتاح الأشغال.
تركّز جدول أعمال الدورة على ملفات الطاقة والمناجم، الصناعة والصناعة الصيدلانية، التعليم العالي والبحث العلمي، التكوين والتعليم المهنيين، الثقافة والاتصالات، إلى جانب الاستثمار والمبادلات التجارية. كما يأتي هذا المسار متزامنا مع دفع اقتصادي مواز تمثل في إبراز مجلس الأعمال الجزائري-التشادي كآلية لترجمة التفاهم السياسي إلى مشاريع وشراكات عملية.
وتندرج هذه الدورة بشكل عام ضمن توجّه جزائري ثابت يقوم على توسيع الشراكات الإفريقية من داخل القارّة نفسها، وربط البعد السياسي بالبعد التنموي. لاسيما وأنّ الجزائر أعادت في السنوات الأخيرة تنشيط حضورها في عمقها الإفريقي، بسعي واضح نحو بناء علاقات أكثر توازنا مع دول الساحل وإفريقيا الوسطى، وبناء علاقات تقوم على تبادل المصالح، ونقل الخبرة، وفتح مجالات الاستثمار، بدل حصر التعاون في المقاربات الأمنية أو في إدارة الأزمات فقط. وتكتسي العلاقة مع تشاد أهمية بالنسبة للجزائر، باعتبار نجامينا شريكا إفريقيا له موقع جغرافي حسّاس عند تقاطع الساحل مع إفريقيا الوسطى. ومن هنا، فإنّ أي دفع للعلاقات الجزائرية التشادية لا يقتصر أثره على البلدين فقط، بل يمتد إلى محيط إقليمي أوسع يمكن أن تستفيد منه شبكات التجارة، ومشاريع النقل، والتعاون الاقتصادي بين شمال القارة ووسطها.
وعليه، فإنّ الحديث عن تشاد باعتبارها بوابة نحو إفريقيا الوسطى ينسجم مع منطق اقتصادي واضح، قوامه تحويل التقارب السياسي إلى منفذ عملي نحو أسواق جديدة وفرص استثمار أكثر تنوعا. وبهذا المعنى، برز أيضا في الخطاب التشادي المرافق للدورة، من خلال التأكيد على أهمية مجلس الأعمال المشترك، والدعوة إلى إطلاق مشاريع هيكلية وشراكات فعلية بين المتعاملين الاقتصاديين في البلدين.
من التعاون السياسي إلى المصالح الاقتصادية
اللافت في هذه الدورة، أنّ الملفات المطروحة شملت قطاعات حيوية ذات أثر مباشر على التنمية. فإدراج الطاقة والمناجم والصناعة والصناعة الصيدلانية، إلى جانب التعليم العالي والتكوين المهني، يعكس رغبة في بناء تعاون طويل الأمد، لأنّ هذه القطاعات ترتبط بإنتاج الثروة، وتكوين الموارد البشرية، وتحسين القدرة المحلية على الاستجابة للحاجات الاقتصادية والاجتماعية.
إنّ التركيز على ترقية الاستثمارات وتسهيل المبادلات التجارية يكشف أنّ الجزائر تريد أن تنتقل بعلاقاتها الإفريقية من مستوى التضامن السياسي العام إلى مستوى المصالح المتبادلة الواضحة. وهذا توجّه مهم، لأنّ فعالية التعاون جنوب-جنوب لا تقاس فقط بكثرة البيانات المشتركة، بل بقدرته على خلق منافع اقتصادية ملموسة، ورفع حجم المبادلات، وفتح المجال أمام المؤسّسات ورجال الأعمال للدخول في مشاريع إنتاجية حقيقية.
وفي السياق نفسه، فإنّ حديث الجانب التشادي عن التزام حكومته بضمان بيئة آمنة للاستثمار والعمل على إزالة العقبات التي تعترض المبادلات التجارية، يمنح بعدا عمليا لهذا المسار، خاصة إذا اقترن ذلك بآليات متابعة وتنفيذ. فالرّهان هنا ليس فقط في إعلان النوايا، بل في تحويل مجلس الأعمال واللّجنة المشتركة إلى أدوات دائمة للدفع بالمشاريع، ومرافقة المستثمرين.
ومن زاوية أوسع، تعكس هذه الدورة ملامح المقاربة الجزائرية تجاه إفريقيا والساحل، وهي مقاربة تقوم على دعم الاستقرار عبر التنمية، وعلى تقوية الدولة الوطنية من خلال التعاون، لا من خلال الإملاءات. كما تدرك الجزائر أنّ دول الساحل والإقليم الإفريقي لا تحتاج فقط إلى المساندة السياسية، بل تحتاج أيضا إلى فرص تكوين، واستثمارات، ومشاريع مشتركة، وشبكات تبادل تتيح لها تقوية اقتصادها الوطني وتوسيع هامش قرارها السّيادي.


