احتضنت كلية الآداب واللغات بجامعة بجاية، ندوة أدبية وثقافية، نظمها منتدى “اللقاءات الأدبية”، جمعت بين الفكر الأكاديمي والممارسة المسرحية، من خلال استضافة مديرة المسرح الجهوي لبجاية، الفنانة والممثلة نضال الجزائري، في لقاء حمل عنوان: “ظلال علولة وكاتب ياسين.. إلى أين يسير المسرح الجزائري اليوم؟”، وذلك من تنشيط الدكتور عبد الهادي بودي والأستاذ حكيم المطران، وسط حضور لافت من أساتذة وطلبة.
أشارت نائبة العميد المكلفة بالبيداغوجيا، البروفيسورة حوشي عايدة، في كلمتها، إلى أهمية احتضان الجامعة لمثل هذه اللقاءات التي تعيد الاعتبار للفعل الثقافي داخل الفضاء الأكاديمي، مؤكدة أن حضور قامة فنية وأكاديمية مثل نضال الجزائري، يمثل قيمة مضافة للمشهد الجامعي. كما لفتت إلى أن الفن يظلّ لسان الشعوب ومرآة حضارتها، معتبرة أن الاحتفاء بالمبدعين الجزائريين هو في حد ذاته احتفاء بالهوية الوطنية.
وتحدثت عن ضرورة إعادة توجيه البوصلة نحو ما تزخر به الجزائر من طاقات إبداعية بدل الانبهار بالمنتجات الثقافية الخارجية، مشدّدة على أن المسرح، بما يحمله من أبعاد فكرية وجمالية، يشكّل فضاءً للتعبير والتأمل في قضايا المجتمع.
من جهته، تحدث الدكتور عبد الهادي بودي عن الخلفيات الفكرية والجمالية للمسرح الجزائري، مشيرا إلى أن الحديث عن المسرح هو في جوهره عودة إلى فكرة “الاحتفالية” بوصفها فعلا ثقافيا وجماعيا، وأكد أن تجربة كل من عبد القادر علولة وكاتب ياسين تنتمي إلى جيل ملتزم بالقضايا الكبرى، حيث لم يكن الفن عندهما مجرد وسيلة للمتعة، بل أداة للنقد والتغيير الاجتماعي.
كما تطرّق بودي، إلى تأثر هذا التوجّه بالمسرح البريختي الذي يسعى إلى تقريب الفن من الجمهور البسيط، لافتا إلى أن هذا الخيار يعكس وعيا عميقا بدور المسرح في خدمة المجتمع، ولفت في السياق ذاته، الى أن هذا النوع من المسرح يطرح اليوم إشكالات التلقي والاستمرارية خاصة في ظل تحولات المشهد الثقافي.
بدورها، عبّرت الفنانة نضال الجزائري عن سعادتها بالتواجد في الوسط الجامعي، وأشارت إلى علاقتها المبكرة بالكتاب، مؤكدة أن القراءة كانت الفضاء الأول الذي احتواها في مرحلة حسّاسة من حياتها، وصاغ وعيها الفني والإنساني.
وأكدت أن عشقها للأدب، منذ قصص الطفولة وصولا إلى النصوص الكلاسيكية، هو ما مهد لارتباطها بالمسرح، معتبرة أن الفنان الحقيقي لا يولد من فراغ، بل يتشكل عبر تراكمات معرفية وثقافية عميقة.
كما لفتت نضال الجزائري إلى أن الفنان، في نظرها ليس مجرد ناقل للواقع أو مقلد له، بل هو صاحب رؤية استشرافية، يسعى إلى تقديم صورة لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع، لا لما هو كائن فقط.
وقالت المتحدثة إن الإبداع الحقيقي هو الذي يرتقي بالذوق العام ويقترح أفقا جديدا، مشدّدة على أن المسرح، منذ نشأته لم يكن فعلا ترفيهيا بسيطا، بل ممارسة إنسانية عميقة تسعى إلى تطهير النفس وإعادة تشكيل الوعي.
وفي حديثها عن رواد المسرح الجزائري، أكدت نضال الجزائري أن أسماء مثل عبد القادر علولة وكاتب ياسين لم تكن مجرد تجارب فنية عابرة، بل شكّلت مدارس قائمة بذاتها، استطاعت أن تؤسس لمسرح ملتزم قريب من الناس، يعبر عن همومهم بلغة يفهمونها. وأشارت إلى أن كاتب ياسين، على سبيل المثال أدرك في مرحلة ما أن الكتابة النخبوية لا تكفي للوصول إلى الجمهور، فاختار التوجه إلى اللغة الدارجة ليخاطب المواطن البسيط، في حين تميز علولة بحضوره القوي وأسلوبه الخاص على الركح، ما جعله “أسد الخشبة” بامتياز.
ولم تخف المتحدثة قلقها إزاء وضع المسرح الجزائري اليوم، حيث أكدت أن الجيل الحالي لم يتمكن بعد من تقديم إضافة نوعية توازي ما قدمه الرواد، مشيرة إلى أننا “ما زلنا نقتات على ريبيرتوارهم” دون القدرة على إنتاج نصوص وتجارب جديدة بنفس القوة والجرأة.
وأرجعت ذلك إلى عدة عوامل، أهمها ضعف الإنتاج وغياب بيئة حاضنة للإبداع.
كما تطّرقت إلى إشكالية غياب الدعم الحقيقي للمسرح، معتبرة أن السياسات الثقافية لم تمنح هذا الفن المكانة التي يستحقها، رغم أهميته في التوعية وبناء الوعي المجتمعي. وأكدت في هذا السياق أن المسرح، شأنه شأن المؤسسات التربوية والدينية، يؤدي دورا أساسيا في تهذيب السلوك الإنساني.
ولم تغفل نضال الجزائري، الحديث عن التحولات التي يشهدها المجتمع خاصة في ظل هيمنة الوسائط الرقمية، حيث لفتت إلى أن الأجيال الجديدة أصبحت بعيدة عن الكتاب والمسرح، وهو ما يهدّد استمرارية هذا الفن، وقالت إن مسؤولية هذا الوضع لا تقع على عاتق الفنان وحده، بل تتقاسمها الأسرة، والمؤسسات التربوية، والإعلام، وكذا الجهات الوصية على القطاع الثقافي.
وفي سياق حديثها عن تجربتها الشخصية، أشارت إلى الصعوبات التي واجهتها بعد تخرجها خلال فترة التسعينيات، حيث وجدت نفسها، مثل كثير من أبناء جيلها، أمام فراغ مهني وفني، في ظلّ قلة الفرص وانحسار الإنتاج. وأكدت أن الاستمرار في هذا المجال كان رهانا صعبا بين خيار المواصلة أو الانسحاب، لكنها اختارت البقاء بدافع الإيمان بالفن كرسالة.
وختمت مداخلتها بالتأكيد على أن الاحتراف في المجال الفني لا يقاس فقط بالمهارة التقنية، بل يقوم أساسا على الأخلاق والالتزام، معتبرة أن الفنان، قبل أن يكون مبدعا، هو صاحب موقف ومسؤولية تجاه مجتمعه.
ودعت في الأخير إلى إعادة الاعتبار للمسرح كفضاء للحوار والتفكير، وإلى ضرورة تضافر الجهود من أجل بعث ديناميكية جديدة تعيد لهذا الفن بريقه ودوره الريادي.




