إرادة سياسيـــــــــة صلبــــــــة لترسيــــــــخ النديـــــــــة وتحقيــــــــــق السّيـــــــــادة الاقتصاديــــــــــــة
أكّد الخبير الاقتصادي، الدكتور مراد كواشي، أنّ العلاقات الجزائرية التركية شهدت خلال السنوات الست الماضية تسارعا كبيرا، خاصة من الناحية الاقتصادية، مشيرا إلى أنّ هذا التطور يعود إلى عاملين رئيسيين، الأول يتعلق بعمق العلاقات التاريخية بين البلدين الشقيقين، فيما يكمن العامل الثاني في التوافق الكبير بين قيادتي البلدين حول العديد من القضايا الإقليمية والدولية، على غرار القضية الفلسطينية، والأوضاع في ليبيا ومنطقة الساحل.
قال كواشي في تصريح لـ «الشعب» إنّ التّوافق السياسي ترجم ميدانيا من خلال الزيارات المتبادلة والمتتالية بين قيادتي البلدين، حيث زار رئيس الجمهورية تركيا عامي 2022 و2023، كما زار الرّئيس التركي رجب طيب أردوغان الجزائر عام 2023، وأضاف أنّ زيارة رئيس الجمهورية الأخيرة إلى تركيا جاءت بدعوة من الرئيس التركي، وتوّجت بعقد الاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى الجزائري التركي.
وأوضح الخبير أنّ الحديث عن مجلس تعاون استراتيجي يعني أنّ الشّراكة بين البلدين انتقلت إلى مستوى أعلى وأكثر استدامة، ولم تعد شراكة ظرفية أو مرتبطة بقطاع محدّد، فقد أصبحت تشمل مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والاستثمارية، وأضاف أنّ هذا التوجه من شأنه أن يفتح آفاقا أوسع أمام رجال الأعمال والمؤسسات الاقتصادية في البلدين.
وسجّل كواشي أنّ العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وتركيا عرفت تطورا متسارعا خلال السّنوات الأخيرة، حيث ارتفع حجم الاستثمارات التركية في الجزائر بشكل لافت، مع وجود أكثر من 1600 شركة تركية تنشط بمختلف الأحجام والقطاعات، باستثمارات إجمالية تفوق 7.7 مليار دولار، ما يجعل تركيا أول مستثمر أجنبي خارج قطاع المحروقات في الجزائر.
وأضاف محدّثنا أنّ حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ نحو 6.5 مليار دولار، مع وجود هدف مشترك لرفعه إلى 10 مليارات دولار مستقبلا، وأشار إلى أنّ الجزائر تعد ثاني أكبر شريك لتركيا في إفريقيا، فيما تحتل تركيا المرتبة الخامسة ضمن أهم الشركاء التجاريين للجزائر، كما تعتبر الجزائر رابع أكبر مورد للغاز إلى تركيا.
وأكّد المتحدّث أنّ هذه الأرقام تعكس وجود إرادة حقيقية لدى البلدين للدفع بالشّراكة نحو آفاق أوسع، خاصة وأنّ الجزائر يمكنها الاستفادة من الخبرة الاقتصادية والصناعية التركية، مثلما يمكن لتركيا الاستفادة من الموقع الاستراتيجي للجزائر باعتبارها بوّابة نحو السوق الإفريقية التي تضم أكثر من 1.5 مليار نسمة.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أنّ الاقتصاد التركي يصنّف ضمن أقوى 20 اقتصادا في العالم، بعدما حقّق نسبة نمو تجاوزت 3.6 بالمائة، واحتل المرتبة الـ 17 عالميا من حيث الناتج المحلي الإجمالي، الذي بلغ 1.59 تريليون دولار سنة 2025، مع توقعات ببلوغه 1.64 تريليون دولار خلال 2026، إضافة إلى احتلاله المرتبة الـ 11 عالميا من حيث الناتج المحلي حسب القدرة الشرائية، كما أوضح أنّ تركيا تمتلك قطاعات اقتصادية متطوّرة، أبرزها الصناعة الميكانيكية، والصناعة الغذائية، وصناعة النسيج، إلى جانب قطاع الخدمات والسياحة والنقل الجوي، مضيفا أنّ صادراتها تجاوزت 273 مليار دولار السنة الماضية، مع طموح لتجاوز حاجز 300 مليار دولار خلال السنة الجارية.
وفيما يتعلق بأبرز الاستثمارات التركية في الجزائر، أكّد كواشي أنّ «توسيالي الجزائر» يعد من أهم المشاريع الصناعية، حيث يطمح إلى تحقيق صادرات بقيمة ملياري دولار خلال السنة الحالية، فضلا عن توفيره آلاف مناصب العمل، كما أشار إلى مشروع «تايبا» للنسيج بولاية غليزان، إضافة إلى مشروع صناعي جديد أعلنت عنه الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار شهر فبراير الماضي، بقيمة 103 ملايين دولار لإنتاج المواد الورقية، والذي سيوفّر نحو 960 منصب شغل مباشر.
بخصوص الاستثمارات الجزائرية في تركيا، أوضح محدّثنا أنّها تتمثّل أساسا في مشروع للبتروكيمياء بالشراكة بين سوناطراك وإحدى الشركات التركية، بقيمة تقدّر بـ 61.7 مليار دولار، وأكّد أنّ هذا المشروع يعكس توجّه الجزائر نحو توسيع استثماراتها الخارجية، وتعزيز حضورها الاقتصادي في الأسواق الإقليمية.
وعن أهم مخرجات زيارة رئيس الجمهورية إلى تركيا، قال كواشي إنّ الجانبين اتّفقا على الانتقال من مستوى التعاون الاقتصادي التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة والمستدامة، إلى جانب توقيع عدة اتفاقيات تعاون في قطاعات حيوية، منها الطاقة والمناجم والنقل والفلاحة، وأضاف أن الجانبين شدّدا أيضا على ضرورة تعزيز التنسيق السياسي ومواصلة التشاور حول أبرز القضايا الإقليمية، خاصة القضية الفلسطينية والأوضاع في ليبيا والساحل، وذلك في إطار مجلس التعاون الاستراتيجي بين البلدين، وأضاف أن هذا التوافق السياسي يعكس عمق التبادل بين الجزائر وتركيا.
وسجّل محدّثنا أنّ الرّئيسين أجريا محادثات رفيعة المستوى بحضور عدد كبير من أعضاء الحكومتين، وتمّ خلال الدورة الأولى لمجلس التعاون الاستراتيجي التوقيع على اتفاقيات شملت قطاعات الصناعة والتجارة والفلاحة والإعلام والبريد والمواصلات، إضافة إلى التوقيع على الإعلان المشترك الخاص بهذه الدورة، والذي يعكس الإرادة السياسية المشتركة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الجزائر وتركيا.
وأكّد كواشي – في ختام تصريحه – على أهمية تثمين الإرث التاريخي والحضاري المشترك بين البلدين، مشيرا إلى أنّ العلاقات الجزائرية التركية تمتد إلى مئات السنين، وهو ما يشكّل قاعدة قوية لتطوير التعاون الاقتصادي والتجاري، مع ضرورة تشجيع رجال الأعمال والمتعاملين الاقتصاديين في البلدين، ومنح مزايا تفضيلية لتعزيز المبادلات التجارية والاستثمارات المشتركة.





