مباحثـــــــات مثمرة واتفاقيــــــــات متعدّدة ورؤيـــــــــــة متطابقــــــة لقـضايا القــارة
المجلس الاقتصـــادي المشترك.. مرافقة المستثمرين بين الجزائر ولوانــدا
أكّدت زيارة رئيس جمهورية أنغولا، جواو مانويل غونسالفيس لورينسو، إلى الجزائر، المسار المتصاعد للعلاقات بين البلدين، في ظل إرادة سياسية واضحة للانتقال بالتعاون الثنائي من مستوى العلاقات التقليدية إلى شراكة أكثر تنوّعا وارتباطا بالاقتصاد والتنمية والاندماج الإفريقي، وقد عبّر الرئيس الأنغولي عن هذا التوجه بوضوح عندما وصف الجزائر بأنها «بلد شقيق وحليف مؤكّد وثابت»..
واضح أنّ عبارة الرئيس الأنغولي تختصر – بشكل جدي – طبيعة العلاقة التي تجمع البلدين، منذ مراحل التحرّر الوطني ومحاربة الاستعمار إلى غاية الرهانات التنموية الحالية، إذ تكتسي الزيارة أهمية خاصة بالنظر إلى مكانة الجزائر وأنغولا ضمن الاقتصادات الطاقوية الكبرى في القارة الإفريقية، فهما بلدان يملكان موارد طبيعية معتبرة، وتجربة طويلة في قطاع المحروقات، وحضورا داخل منظمة «أوبك»، غير أنّ النقاش الاقتصادي بين الطرفين لم يبق محصورا في الطاقة وحدها، إنما اتجه نحو توسيع قاعدة التعاون إلى قطاعات أخرى أكثر تنوّعا، مثل الزراعة، الصناعات التحويلية، الصيد البحري، الصناعة الصيدلانية، الصناعات الغذائية، الطاقات المتجدّدة، التكوين المهني، التعليم العالي والتكنولوجيات الحديثة.
وفي سياق متصل، كشفت المباحثات الجزائرية-الأنغولية أنّ مستوى المبادلات التجارية بين البلدين لا يزال دون الإمكانات المتاحة، رغم ما يملكه الطرفان من قدرات اقتصادية وموقعين استراتيجيّين مهمّين، فالجزائر تمثل بوابة شمال إفريقيا والمتوسّط، بينما تشكّل أنغولا واحدة من أهم القوى الاقتصادية الصاعدة في جنوب القارة، وهو ما يجعل رفع المبادلات التجارية هدفا عمليا أكثر منه كونه رغبة سياسية، خاصة مع الحديث عن الانتقال من مستويات محدودة جدّا خلال السنوات الأخيرة إلى أرقام أكبر في آفاق 2028 ثم 2030، بما يسمح بفتح المجال أمام المتعاملين الاقتصاديّين في البلدين.
كما أنّ الاتفاقيات ومذكّرات التفاهم التي تمّ التوقيع عليها خلال الزيارة، تعكس هذا التوجه العملي، حيث شملت عدة مجالات ذات صلة مباشرة بتنويع التعاون الاقتصادي، علاوة على ذلك، فإنّ إنشاء مجلس اقتصادي مشترك بين الجزائر وأنغولا يمنح هذا التعاون آلية متابعة وتنفيذ، من خلال دراسة الفرص المتاحة، وتحديد القطاعات ذات الأولوية، ومرافقة رجال الأعمال والمؤسّسات الاقتصادية في البلدين نحو شراكات منتجة وقابلة للتجسيد.
بالنسبة للجانب الطاقوي، امتدت المناقشات إلى مجالات وجوانب أكثر دقة، خاصة في التكرير والتحويلات النفطية وتكوين الكفاءات، لاسيما وأنّ الجزائر تملك تجربة مهمة في هذا المجال، ويمكن أن تشكّل خبرتها قيمة مضافة لأنغولا التي يعتمد اقتصادها تصدير النفط الخام، وتسعى اليوم إلى تطوير قدراتها في التكرير والتصنيع الطاقوي، بما يسمح لها بتعزيز القيمة المضافة محليا وتقليص التبعية لصادرات المواد الأولية.
وتفتح الزيارة فرصا مهمة أمام المؤسّسات الاقتصادية الجزائرية، خصوصا في القطاعات التي راكمت فيها الجزائر خبرة قابلة للتصدير، مثل الصناعة الصيدلانية، الصناعات الغذائية، الخدمات التقنية، التكوين، البناء، والطاقة، وفي المقابل، تمثل أنغولا سوقا واعدة بالنظر إلى حجمها الجغرافي ومواردها الطبيعية وموقعها في جنوب القارة، الأمر الذي يجعل التعاون بين البلدين مدخلا لبناء حضور اقتصادي جزائري أوسع في إفريقيا.
وفي السياق، لا يمكن فصل هذه الديناميكية عن الرؤية الجزائرية الأوسع تجاه القارة الإفريقية، القائمة على دعم الاندماج الاقتصادي وتفعيل منطقة التجارة الحرّة القارية الإفريقية، التي توفّر إطارا مهما لتقليص الحواجز التجارية، وتسهيل حركة السلع والخدمات، وتوسيع المبادلات بين الاقتصادات الإفريقية، كما أنّ التقارب الجزائري الأنغولي يعزّز هذا المسار، لأنّ البلدين يملكان وزنا سياسيا واقتصاديا يسمح لهما بدفع التعاون جنوب ـ جنوب نحو خطوات ملموسة.
ولقد أظهرت الزيارة وجود تقارب واضح في قراءة قضايا القارة، سواء من حيث الدفاع عن السيادة الوطنية، أو دعم الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية، أو تعزيز التعاون بين الدول بدل الارتهان إلى الشراكات غير المتوازنة، وهي مبادئ تنسجم مع توجّه الجزائر في سياستها الإفريقية، كما تجد صداها لدى أنغولا التي تملك هي الأخرى رصيدا مهمّا في مسار التحرّر الوطني وبناء الدولة.
بهذا، تعكس زيارة الرئيس جواو لورينسو إلى الجزائر، مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين، تقوم على تحويل الرصيد السياسي والتاريخي إلى شراكات اقتصادية أكثر نجاعة، وعلى توظيف التقارب في الرؤى لخدمة مصالح البلدين والقارة الإفريقية وشعوبها بشكل عام.





