ظهر الذّكاء الاصطناعي في سنوات الخمسينيات، واستخدم هذا المصطلح للمرة الأولى خلال مؤتمر جامعة «دارتمورث» (Dartmouth) بشأن الذكاء الاصطناعي عام 1956. ومنذ ذلك الحين، نشر المبتكرون والباحثون 1.6 مليون منشور يتعلق بالذكاء الاصطناعي، وأودعوا طلبات براءات لحوالي 340000 ابتكار يتعلق بالذكاء الاصطناعي.
الأستاذة سعاد بحة
ترجع جذور البحوث الخاصة بالذكاء الاصطناعي إلى أربعينيات القرن الماضي مع انتشار الحاسبات واستخدامها، وتركز الاهتمام في بداية الخمسينيات على الشبكات العصبية، وفي الستينيات بدأ نشاط البحث يتوجه نحو النظم المبنية على تمثيل المعرفة، والذي استمر العمل به خلال السبعينيات، ومع بداية الثمانينات حدثت طفرة كبيرة في بحوث الذكاء الاصطناعي، ويمكن إجمال تاريخ الذكاء الاصطناعي خلال القرن العشرين.
على الرغم من ظهور مصطلح الذكاء الاصطناعي منذ عام 1956، وانتشار تقنياته في الآونة الأخيرة، إلا أنه لا يوجد حتى الآن تعريف موحد متفق عليه على نطاق واسع، ويرجع ذلك إلى صعوبة تعريف ماهية الذكاء البشري، فضلا عن تعريف ماهية الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى اختلاف المنظور الذي يمكن أن يصف الذكاء الاصطناعي، فالذكاء (Intelligence) هو الجزء الحساس من القدرة على تحقيق الأهداف، وتختلف درجاته وأنواعه بين البشر والحيوانات والآلات، في البداية، كان الهدف من برامج الذكاء أن تحل محل الخبير في تخصص البرامج، ولكن ثبت استحالة ذلك وأصبح الهدف من برامج الذكاء هو مساعدة الخبير في أداء عمله بسرعة وكفاءة متميزة.
أما الذكاء الاصطناعي يعرّفه كل من كوبلاند وبراودفوت بكونه يمثل: «عملية تطوير أنظمة الحاسب الآلي، بحيث تكون قادرة على أداء المهام التي تتطلب عادة استخدام الذكاء البشري، مثل الإدراك البصري، التعرف على الكلام، صنع القرار، والترجمة».
وعرّفه «مارفن لي مينسيك» (Marvin Lee Minsky) بأنه: بناء برامج الكمبيوتر التي تنخرط في المهام التي يتم إنجازها بشكل مرض من قبل البشر، وذلك لأنها تتطلب عمليات عقلية عالية المستوى مثل: التعلم الإدراكي وتنظيم الذاكرة والتفكر النقدي.
كما عرّف الذكاء الاصطناعي أيضا بأنه: سلوك وخصائص معينة تتسم بها برامج الحاسب تجعلها تحاكي قدرات البشر الذهنية وأنماط عملها، من أهم هذه الخاصيات القدرة على التعلم والاستنتاج، ورد الفعل على أوضاع لم تبرمج في الآلة، وأيضا يشير الذكاء الاصطناعي إلى الأنظمة التي تعرض سلوكا ذكيا من خلال تحليل بيئتها واتخاذ الإجراءات – بدرجة معينة من الاستقلالية – لتحقيق أهداف محددة.
وإضافة إلى ما سبق، اعتبر الذكاء الاصطناعي أنه طريقة لصنع حاسوب، أو روبوت يتم التحكم فيه بواسطة الكمبيوتر، أو برنامج يفكر بذكاء، بنفس الطريقة التي يفكر بها البشر الأذكياء، ولكن بالنظر إلى أكثر التطبيقات الموجودة اليوم يمكن تعريف الذكاء الاصطناعي بأنه: أنظمة تستخدم تقنيات قادرة على جمع البيانات، واستخدامها للتنبؤ أو التوصية أو اتخاذ القرار بمستويات متفاوتة من التحكم الذاتي، واختيار أفضل إجراء لتحقيق أهداف محددة.
يمكن القول إن كثيرا من التعريفات النظرية للذكاء الاصطناعي تدور حول قدرة الآلة على التصرف مثل البشر أو القيام بأفعال تتطلب ذكاء، لكن تعريف المفهوم تطور بنفس الوتيرة التي عرفها التطور التكنولوجي لتكون نقطة الالتقاء بين كل التعاريف الحديثة هي محاولة «تقليد السلوك البشري الذكي»، ويمكن الوقوف عند أربعة أنواع من الأنظمة الذكية وهي: الأنظمة التي تفكر مثل البشر؛ الأنظمة التي تتصرف مثل البشر؛ الأنظمة التي تفكر بعقلانية؛ الأنظمة التي تعمل بعقلانية.
كما أنّ هناك من ينظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه علم متفرع بذاته من الحاسوب، في مقابل من ينظر إليه على أنه أحد تطبيقات الحاسوب، ويرى الآخرون بأن البرمجيات (Software) هي التي تقدم الذكاء الاصطناعي، بينما يرى آخرون أن الآلة يمكن أن تقوم بذلك، ومنه هناك عدم ثبات في المفهوم وذلك لأنه لا يزال إلى يومنا هذا في تطور ويفرز هذا العلم العديد من العلوم الفرعية المتصلة، ويمكن أن نحصر أنواعه فيما يلي:
الذّكاء الاصطناعي الخارق: يستخدم لوصف عملية تطوير الذكاء الاصطناعي إلى الدرجة التي تكون فيها قدرة الآلة الفكرية تفوق قدرة البشر في انجاز بعض المهام.
الذّكاء الاصطناعي القوي: هو مصطلح يستخدم لوصف عملية تطوير الذكاء الاصطناعي إلى الدرجة التي تكون فيها قدرة الآلة الفكرية مساوية وظيفيا للإنسان. فالذكاء الاصطناعي القوي ينص على أن الحاسوب يمكن برمجته ليكون عقلا بشريا، وأن يكون ذكيا بكل معنى الكلمة، وأن يكون لديه إدراك، ومعتقدات، وأن يكون لديه حالات إدراكية أخرى عادة ما تكون مسندة للإنسان فقط، ويشمل الخصائص الرئيسة التالية: القدرة على التفكير والتفاعل الذكي، حل الألغاز، إصدار الأحكام، التخطيط والتعلم، والتواصل كما يجب أن يكون لديه وعي، أفكار موضوعية، ومشاعر، وسلوك
الذّكاء الاصطناعي الضّعيف: أنظمة الذكاء الضيقة أو الضعيفة لديها ذكاء محدد يحاكي السلوك الذكي في منطقة محددة، ومن الأمثلة عليها تطبيق «المساعد الشخصي الذكي SIRI» من شركة «أبل»، يوظف التطبيق الإنترنت كقاعدة بيانات قوية للإجابة على الأسئلة المنطوقة للمستخدمين، وإجراء محادثة مع أشخاص فعليين، ولكنه يعمل بطريقة ضيقة جدا محددة مسبقا، ويكن إثبات ذلك من خلال النتائج الغير دقيقة التي تحصل عليها عند إجراء محادثات لم تتم برمجته للاستجابة لها.
الانعكاسات الاقتصادية للذّكاء الاصطناعي
تشير العديد من الدراسات والبحوث إلى الآثار والانعكاسات الاقتصادية المتوقعة لتفعيل تقنيات الذكاء الاصطناعي بمختلف القطاعات الاقتصادية على المستوى العالمي.
ومن المتوقع نمو السوق على المستوى العالمي بشكل متسارع ليبلغ حجم إيرادات الصناعة ما يقرب من 60 مليار دولار عام 2025، كما تشير بعض التقديرات إلى أن السوق من المتوقع أن تسجل معدل نمو مركب متسارع حتى عام 2025، يقدر بنحو 52 بالمائة مستفيدة من النمو الكبير في مستويات الطلب على أنظمة الذكاء الاصطناعي في مجالات أنترنت الأشياء، والرعاية الصحية، والأنظمة الصناعية، وبحسب دراسة «لبرايس ووتر هاوس»، استخدمت منهجية النمذجة الاقتصادية والمحاكاة لتقدير الأثر الاقتصادي للذكاء الاصطناعي على الاقتصاد العالمي، فإنه من المتوقع أن تسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي في زيادة مستويات الناتج العالمي بنحو 15.7 تريليون دولار عام 2030، بما يشكّل نموا في مستويات الناتج العالمي بنسبة 14 بالمائة.
أما على مستوى القطاعات الاقتصادية، يقدّر معهد «ماكنزي جلوبال» أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير تسع وظائف أساسية في تسعة عشر قطاعا اقتصاديا يمكن أن يزيد ناتج هذه القطاعات بما يتراوح ما بين 3.5 تريليون دولار و5.8 تريليون دولار، ما يشكل ذلك نحو 40 بالمائة من إجمالي المكاسب الاقتصادية المتوقعة السنوية جراء عمليات التطوير التقني لهذه القطاعات التي تتراوح ما بين 9.5 إلى 15.4 تريليون دولار.
من جهتها، قدّرت دراسة لمعهد «جلوبال ماكينزي» والتي استخدمت منهجية النمذجة الاقتصادية والمحاكاة لتقدير الأثر المتوقع للذكاء الاصطناعي على الاقتصاد العالمي إلى أنه من المتوقع أن يؤدي تبني هذه التقنيات إلى مكاسب تقدر بنحو 13 تريليون دولار في عام 2030، وهو ما يعني 16 بالمائة زيادة في حجم الناتج العالمي مقارنة بالمستويات المسجلة حاليا (أي بواقع 1.2 بالمائة سنويا زيادة في معدل النمو الاقتصادي العالمي).
كما أنّه من المتوقع ألا يكون للذكاء الصناعي تأثير خطي على الناتج، حيث قد يشهد الناتج زيادة بوتيرة متسارعة مع مرور الوقت والتطور في هذه التقنيات لاسيما بعد مرور فترة تتراوح ما بين خمس إلى عشرة سنوات، حيث يقدر أن المكاسب المحققة للذكاء الاصطناعي على النمو الاقتصادي بحلول عام 2030، قد تكون أكبر بثلاث مرات مقارنة بمثيلاتها المسجلة خلال الفترة (2018-2023)، وهو ما يعزى إلى ارتفاع تكاليف الاستثمار في هذا المجال ومستويات المنافسة، والحاجة إلى تطور أنماط الإدارة والاستثمار المرتبط بتعلم ونشر هذه التقنيات، وكلها عوامل يظهر تأثيرها مع مرور الوقت وبالتالي تتعاظم المكاسب الاقتصادية الناتجة عن تبني هذه التقنيات لاسيما بالنسبة لأولئك الذين يتبنون هذه التقنيات في وقت مبكر مقارنة بنظرائهم.
على مستوى البلدان والأقاليم الجغرافية، من المتوقع أن تشهد الصين أكبر المكاسب الاقتصادية من تقنيات الذكاء الاصطناعي بمكاسب اقتصادية تقدر بنحو 7 تريليون دولار بمعدل نمو يقارب 26.1 بالمائة في عام 2030، تليها أمريكا الشمالية بمكاسب اقتصادية تبلغ 3.7 تريليون دولار نحو 14.5 بالمائة زيادة في مستويات الناتج المحلي الإجمالي.
مستـوى الإنتاجية والتّنافسـية
تبشّر تقنيات الذكاء الاصطناعي بمكاسب هائلة على صعيد زيادة مستويات الإنتاجية والتنافسية بالنسبة للمؤسسات التي تسعى إلى امتلاك هذه النظم لتقديم خدمات أفضل للعملاء بكلفة أقل وبشكل متطور بما يساعد على اتخاذ القرارات بشكل أسرع وأفضل وتقديم السلع والخدمات بشكل متميز، بالتالي تتاح للمؤسسات فرص المنافسة واغتنام الفرص في الأسواق الداخلية والخارجية والاستفادة من مزايا خفض التكاليف واختصار الوقت وتقليل المخاطر.
ومن المرجح أن يكون أكبر ارتفاع اقتصادي محتمل من الذكاء الاصطناعي هو تحسين الإنتاجية، ويرجح أن تساهم تقنيات الذكاء الاقتصادي في رفع الانتاجية في آفاق 2030، وهذا من خلال أتمتة المهام الروتينية، وزيادة قدرات الموظفين وتحريرهم للتركيز على عمل أكثر تحفيزا وأعلى قيمة مضافة.
كما أنه من المتوقع أن تساهم تحسينات إنتاجية العمل في أكثر من 55 بالمائة من إجمالي مكاسب الناتج المحلي الإجمالي من الذكاء الاصطناعي (2017 – 2030)، ومع اعتماد التقنيات الجديدة تدريجيا واستجابة المستهلكين للمنتجات المحسنة سيؤدي ذلك إلى زيادة الطلب وابتكار المنتجات بمرور الوقت، ومع ذلك، فإن إمكانات هذه المرحلة الأولية من تطبيق الذكاء الاصطناعي تركز بشكل أساسي على تعزيز ما يتم القيام به بالفعل، بدلا من إنشاء الكثير مما هو جديد.
زيــادة الطّلــب
سيؤدّي ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي من تحسينات المنتج والتحولات اللاحقة في طلب المستهلكين وسلوكهم واستهلاكهم الناشئ عن الذكاء الاصطناعي إلى تجاوز مكاسب الإنتاجية، مما قد يوفر أكثر من 9 تريليونات دولار من إجمالي الناتج المحلي الإضافي في عام 2030.
وباعتبار أن المستهلكين ينجذبون في الغالب إلى منتجات وخدمات عالية الجودة وأكثر تخصيصا، وهذا ما أدى إلى ثورة المستهلك التي أطلقها الذكاء الاصطناعي، والتي تدفع المؤسسات إلى الابتكار وتطوير نماذج أعمال جديدة، حيث سوف يتمتع المتسابقون الأوائل في الذكاء الاصطناعي بميزة الرؤية الفائقة للعملاء، وتكون لهم القدرة على الاستفادة من تفضيلات المستهلك، وتكييف إنتاجهم بما يتناسب مع طلباته، وبذلك، الاستحواذ على حصة أكبر من السوق.
مستـوى أسـواق العمـل
إنّ التطور التقني في إطار الثورة الصناعية الرابعة عملية ديناميكية ستنطوي على إنشاء الوظائف وإلغائها في ذات الوقت، وتؤدي إلى زيادة الطلب على العمالة الماهرة وخسارة صافية في العمالة غير الماهرة نتيجة أتمتة عدد من الوظائف.
ستظهر أنواع جديدة من العمال الذين سيركزون على التفكير الإبداعي في كيفية تطوير الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، ستكون هناك حاجة إلى مجموعة جديدة من الموظفين لبناء هذه التقنيات الناشئة وصيانتها وتشغيلها وتنظيمها. كما سيصاحب انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي صدمات كبيرة في أسواق العمل، فالتطورات التقنية المتسارعة، وانتشار الروبوتات، وتقنيات الانتاج الذكية ستتسبب في انخفاض كبير في مستويات الطلب على العمالة غير الماهرة بنسبة تتراوح ما بين 25 و 50 بالمائة، وستنمو مستويات الطلب على العمالة في مجالات إنتاج التقنية والهندسة والرياضيات والعلوم والتحليل المنطقي والتفكير الإبداعي وحل المشكلات. وتشير التقديرات إلى أن الثورة الصناعية الرابعة سوف ينتج عنها في المجمل زيادة صافية في خلق الوظائف تقدر بنحو 58 مليون فرصة عمل إضافية، وخاصة في المجالات المرتبطة بالتقنيات المصاحبة لهذه الثورة ومجالات جديدة أخرى، فالتقديرات تشير إلى أن 65 بالمائة من الطلاب في عمر 12 سنة سوف يعملون في وظائف غير موجودة حالياً، وهو ما يستلزم نقلة نوعية لسياسات التعليم وتطوير مراصد للتعليم، وتتبع احتياجات أسواق العمل لضمان علاقات ديناميكية وتغذية مرتدة ما بين بين قطاع التعليم وأسواق العمل.




