يرى البروفيسور العيد جلولي أن الاهتمام بثقافة الطفل والاستثمار فيها في ظلّ التطورات المعاصرة، يعدّ من أهم الرهانات الحضارية التي تواجه المجتمعات اليوم.
قال البروفيسور جلولي في حديث لـ«الشعب”، أن الإحصائيات الديموغرافية الحديثة في الجزائر، تشير إلى أن الأطفال يمثلون نسبة مهمة من المجتمع الجزائري، وهو ما يعكس الطابع الشاب للسكان، فبحسب المعطيات الرسمية لسنة 2025، يشكل الأطفال دون سن 15 سنة حوالي 29٪ من مجموع السكان، أي ما يقارب ثلث المجتمع الجزائري.
وذكر المتحدث أن الطفل اليوم أصبح يعيش داخل عالم رقمي مفتوح تتداخل فيه المعرفة بالتكنولوجيا، وتتزاحم فيه المؤثرات الثقافية والإعلامية، ما يفرض توفير بيئة ثقافية متوازنة تسهم في بناء شخصيته وتنمية وعيه وخياله، ويتحقق ذلك من خلال تطوير محتويات ثقافية وتعليمية جذابة تجمع بين المتعة والفائدة، وتوظيف الوسائط الرقمية الحديثة في خدمة القراءة والتعلّم والإبداع، مع تعزيز دور الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية في توجيه الطفل نحو الاستخدام الواعي للتكنولوجيا، وترسيخ قيم الهوية والانتماء والانفتاح الإيجابي على العالم، كما يقتضي الأمر دعم أدب الطفل والفنون والأنشطة التفاعلية، وحماية الطفل من المحتويات السطحية والعنيفة التي قد تؤثر في تكوينه النفسي والفكري، لأن الاستثمار في ثقافة الطفل هو في جوهره استثمار في مستقبل المجتمع وقدرته على صناعة أجيال واعية ومبدعة.
وأوضح البروفيسور جلولي أنه يمكن الاستفادة من التطورات التكنولوجية المعاصرة في مجال تثقيف الطفل عبر توظيف الوسائط الرقمية والمنصات التفاعلية والألعاب التعليمية والواقع الافتراضي في تقديم المعرفة بأساليب مشوقة، تنمي التفكير والإبداع والقدرة على التعلم الذاتي، إذ أصبحت التكنولوجيا قادرة على تحويل عملية التثقيف من التلقين التقليدي إلى تجربة تفاعلية تجمع بين المتعة والمعرفة، غير أن هذه الاستفادة يقول: “ينبغي أن ترافقها رؤية تربوية وثقافية واعية تحمي الطفل من مخاطر الانفتاح غير المنضبط، كالتغريب الثقافي، والإدمان الرقمي، وانتشار المحتويات السطحية أو العنيفة التي قد تؤثر في هويته وقيمه”، وأضاف “لذلك يصبح من الضروري تعزيز المحتوى الرقمي المرتبط باللغة العربية والتراث والثقافة الوطنية، وتوجيه الطفل نحو الاستخدام الآمن للتكنولوجيا، مع تفعيل دور الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية في المتابعة والتوعية وغرس قيم المسؤولية والانتماء والحوار، وبهذا يمكن تحويل هذه التطورات من مصدر تهديد إلى وسيلة فعّالة لصناعة جيل واع ومسؤول، يمتلك أدوات العصر دون أن يفقد جذوره الثقافية والحضارية”.
وأكد هنا “يمكن القول إن الجزائر تشهد اهتماما متزايدا بثقافة الطفل خلال السنوات الأخيرة، سواء على المستوى الرسمي أو الجمعوي أو الأكاديمي، غير أن هذا الاهتمام ما يزال بحاجة إلى مزيد من التنظيم والتطوير حتى يواكب التحولات الرقمية والثقافية المعاصرة”.
وأشار المتحدث، إلى أن وزارة الثقافة والفنون عملت على إطلاق عدد من المبادرات المرتبطة بترقية أدب الطفل والمطالعة، من بينها تنظيم المعرض الوطني لكتاب الطفل، وأيضا صدر مرسوم إنشاء المهرجان الدولي لكتاب الطفل بقسنطينة “كما كنا من المبادرين الأوائل في ورقلة في تنظيم ملتقيات مخصصة لأدب وثقافة الأطفال والفتيان من خلال المهرجان الثقافي الدولي للكتاب والأدب والشعر، والذي للأسف الشديد توقف لسنتين 2025 و2026”، “وأيضا من مظاهر الاهتمام إطلاق جائزة أشبال الثقافة لتشجيع المواهب الناشئة، إضافة إلى إقامة ملتقيات وورشات تهتمّ بصناعة أدب الطفل وتنمية الإبداع لدى الناشئة، وهو ما يعكس وعيا متناميا بأهمية الاستثمار في هذه الفئة باعتبارها أساس بناء المجتمع مستقبلا”.
وفي المقابل، كشف محدثنا أنه ما تزال هناك بعض التحديات التي تعيق تطوّر ثقافة الطفل في الجزائر، من أبرزها ضعف المحتوى الرقمي الموجه للأطفال باللغة العربية، وتراجع عادة القراءة أمام هيمنة الوسائط الإلكترونية، إضافة إلى نقص الصناعات الثقافية الخاصة بالطفل مقارنة بما تشهده دول أخرى، وما تفرضه العولمة والانفتاح الرقمي من تحديات مرتبطة بالحفاظ على الهوية الثقافية والقيم الوطنية لدى الأطفال.
ورغم هذه الصعوبات، يؤكد البروفيسور جلولي أن المؤشرات الحالية تدل على وجود إرادة ثقافية متنامية في الجزائر لإعادة الاعتبار لثقافة الطفل، خاصة من خلال تشجيع القراءة، وتطوير أدب الطفل، والانفتاح على الوسائط الرقمية الحديثة، وهو ما يمكن أن يشكّل قاعدة مهمة لصناعة جيل واع ومبدع ومتمسّك بهويته الثقافية والحضارية.






