تأكيــد علــى مراجعــة نمـط الحيـاة المعاصـــر وإعــادة تقييمـه
نظّم مركز الأشعة الخاص الشهيد بالقاسمي بولاية معسكر، بالتنسيق مع جامعة معسكر والهلال الأحمر الجزائري، ملتقى علميا دراسيا حول مستجدّات سرطان القولون والمستقيم، في مبادرة نوعية تجسد اتحاد معنوي بين القطاع الاستشفائي العام والقطاع الخاص؛ في سبيل ترقية الخدمات الصحية.
في ظل تصاعد مؤشرات الإصابة بالأمراض السرطانية في الجزائر، ناقشت نخبة من الخبراء والأطباء التحديات الراهنة التي تواجهها الصحة العمومية، مرافعين من أجل تبني استراتيجيات وطنية شاملة للوقاية والكشف المبكر كخيار وحيد لخفض نسب المرضى والوفيات.
افتتح البروفيسور مجدوب، المختص في جراحة الأورام بمركز مكافحة السرطان لولاية البليدة، الجلسات العلمية بالتأكيد على أن سرطان القولون والمستقيم بات يتربع على رأس قائمة سرطانات الجهاز الهضمي في الجزائر، مسجلاً ما بين 6500 إلى 7000 حالة جديدة سنوياً، وشدّد البروفيسور مجدوي على أن هذه الأرقام تأتي في سياق عام يشهد ارتفاعاً في مختلف أنواع السرطانات، حيث تقدّر الحالات الجديدة سنوياً في الجزائر بما يتراوح بين 50 ألف إلى 60 ألف حالة، داعيا بشدة إلى مراجعة الأفراد لنمط الحياة المعاصر وإعادة تقييمه.
نمط الحياة..المتّهم الأول
أرجع البروفيسور مجدوب هذا التصاعد الملحوظ إلى التغيرات الجذرية في نمط المعيشة لدى المواطن الجزائري، مشيرا إلى أنّ الابتعاد عن “الحمية المتوسطية” – التي تعتمد على الخضروات، الفواكه، وزيت الزيتون) – لصالح الاستهلاك المفرط للحوم الحمراء، والمصنعات (الكاشير والمرقاز)، والوجبات السريعة (الشاورما والمشويات)، يشكل عامل خطر رئيسيا. وإلى جانب التغذية، حذّر البروفيسور من نمط الحياة الخامل، حيث تراجعت مستويات النشاط البدني والمشي اليومي، الذي يعتبر ضرورة صحية بما لا يقل عن ساعة يومياً (ما يعادل 4 كيلومترات)، ممّا أدى إلى انتشار السمنة التي تعد بدورها أرضية خصبة للأورام.
الكشـــف المبكّــر.. ضـــــرورة ملحّـــة لا تـــرف صحي
وعلى الرغم من وجود برامج وطنية لمكافحة السرطان (2015-2019 و2025-2035)، يرى البروفيسور مجدوب أنّ الجزائر لا تزال تفتقر إلى برنامج وطني فعلي “للكشف المبكر” (Dépistage) الموجه، مكتفية حالياً بمبادرات تحسيسية تقوم بها جمعيات المجتمع المدني، مشيرا إلى أن الكشف المبكر يمثل طوق النجاة، نظراً لأن فحص الدم الخفي في البراز هو إجراء اقتصادي ومنخفض التكلفة، مقارنة بالتكاليف الباهظة لعلاج الحالات المتقدمة التي تكتشف غالباً في مراحل حرجة كالانسداد المعوي، لافتا أن البيانات تشير إلى أن 25 % من حالات سرطان القولون تكتشف عند وصولها إلى مرحلة النقائل الكبدية، وهو ما يصعّب فرص الشّفاء.
رؤى أكاديمية بين الوقاية والتّكوين
من جهته شدّد البروفيسور جيلالي بوسيف على البعد السوسيولوجي للداء، حيث صرح قائلاً: “إنّنا نواجه اليوم فاتورة التخلي عن الموروث الغذائي التقليدي، فالانتقال من النمط المتوسطي الغني بالألياف إلى النمط الغربي المعتمد على اللحوم المصنعة والمقليات جعل من الجهاز الهضمي الجزائري في حالة استنفار دائمة”، وأضاف البروفيسور بوسيف أن الوقاية تبدأ من “الطبق والمشي”، مشدّداً على أن النشاط البدني لم يعد رفاهية، بل هو إجراء طبي وقائي لمنع تراكم الفضلات، وتنشيط حركة الأمعاء التي تمنع التغيرات الخلوية المسببة للأورام.
من جانبه، أثرى البروفيسور ملياني بن عومر، النقاش بالتركيز على أهمية التكوين الطبي وتوسيع رقعة التخصص، وأكّد قائلاً: “إن مطالبة ساكنة معسكر بإنشاء كلية للطب ليست مجرد طموح إداري، بل هي ضرورة بيولوجية وتقنية لضمان تكوين جيل من الأطباء القادرين على تشخيص الحالات في أطوارها الأولى”، وتابع موضّحاً أن التطور التكنولوجي في تقنيات التنظير (Endoscopy) يتطلب كفاءات محلية مدربة، مشيداً في الوقت نفسه بالمشاريع الاستراتيجية لإنشاء مصالح استشفائية جامعية في ولاية معسكر، والتي ستشكل قفزة نوعية في تكفل الدولة بالمرضى بعيداً عن عناء التنقل إلى الولايات الكبرى.
رؤية استراتيجية واعدة
واختتم الملتقى بتوصيات قوية تؤكّد أنّ نجاح الحرب على السرطان يتطلب ميزانية وقيادة رشيدة، بتثمين قرار السيد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الرامي إلى دراسة إنجاز مستشفيات متخصصة لمكافحة السرطان عبر جميع ولايات الوطن، كما أجمع المتدخلون من جهة ثانية، على أنّ تنظيم مثل هذه الملتقيات في ولاية معسكر يصب في منحى خلق ثقافة علمية طبية رصينة، وهو ما يمهّد الطريق أمام تنمية مستدامة تكون ركيزتها الأساسية الصحة العمومية.





