يُجمع خبراء المالية العامة على أن تنامي المديونية الخارجية لم يعد ظرفاً استثنائياً عابراً في تدبير الشأن العام بالمغرب، بل تحول إلى سمة هيكلية تهدد التوازنات الاقتصادية للمملكة.
مع كل إعلان عن قرض جديد، يطفو على السطح سؤال جوهري بشأن قدرة الحكومة المخزنية على إنتاج بدائل تمويلية ذاتية، قبل أن يتحول الاقتراض من أداة ظرفية لإنعاش الاقتصاد إلى «إدمان مالي» مزمن يرهن القرار السيادي للبلاد.
وفي هذا السياق، أعلن البنك الدولي، أمس الأول، عن منح المغرب قرضاً بقيمة 265 مليون دولار، موجهاً لإنجاز محطة لتخزين الطاقة. ورغم تصنيف السلطات المخزنية هذا المشروع ضمن أهم استثمارات الطاقة النظيفة في القارة الإفريقية، فإن هذا التمويل لا يمكن فصله عن معضلة أعمق تتمثل في العجز المغربي المستدام عن تدبير احتياجات التنمية بعيداً عن الاستدانة الخارجية.
من أداة للتّمويـل إلـى قيـد خانـق
ويأتي هذا التمويل في ظل تحذيرات سبق أن أطلقها خبراء اقتصاديون بشأن مخاطر المديونية العمومية، إذ أكدوا أن «اللجوء المتكرر إلى القروض الخارجية، من دون رؤية مندمجة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، يحول الدين من أداة لتمويل التنمية إلى قيد خانق على الخيارات المالية للدولة، ويهدد بفقدان هامش المناورة في مواجهة الصدمات الخارجية».
ويتساءل هؤلاء الخبراء عن الجدوى المالية لمشروعات استراتيجية بهذا الحجم، تُنجز في ظل اعتماد متواصل على التمويل الخارجي، بينما تظل الميزانية العامة عاجزة عن توفير هوامش تمويلية ذاتية لمثل هذه المشاريع.
ومع أن الحكومة المخزنية تقول للشعب بأن حصولها على قروض من البنك الدولي و الإفريقي وغيرهما من المؤسسات المالية يعكس «ثقة دولية» في الاقتصاد المغربي، فالواقع غير ذلك تماما، لأن الاعتماد على المديونية هو مؤشر إضافي على هشاشة النموذج التنموي للمملكة، الذي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات مالية خارجية يظل استمرارها رهيناً بإرادة الجهات المانحة.
سياسـة ترهــن السّيـادة الاقتصادية
ولم يعد عبء الدين يقتصر على أرقام تُسجل في دفاتر الخزينة العامة، بل أصبح يقيد قدرة الحكومة على توجيه الموارد نحو القطاعات الاجتماعية ذات الأولوية. فكل نقطة مئوية إضافية في خدمة الدين العام تعني عملياً اقتطاعاً صامتاً من ميزانيات الصحة والتعليم والتشغيل.
وفي المقابل، تبدو الحكومة التي رفعت شعار «اليقظة الاقتصادية» خلال ولايتها، أسيرة مقاربة إنمائية تقوم على تسريع وتيرة الاستدانة، من دون تقديم ضمانات كافية لتحويل هذه الاستثمارات إلى ثروة منتجة تقلص الحاجة إلى مزيد من الاقتراض. كما أن غياب استراتيجية واضحة للتخارج التدريجي من دائرة المديونية يثير علامات استفهام حول مدى مصداقية الخطاب الحكومي المرتبط بتعزيز السيادة الاقتصادية.
ويبقى التفاؤل المؤسساتي مجرد خطاب لامتصاص غضب الشعب المغلوب على أمره، لأن العجز هو السمة الثابتة للاقتصاد المغربي، والأسئلة المشروعة التي يطرحها المواطنون حول موعد جني ثمار هذه الاستثمارات وانعكاساتها الفعلية على حياتهم اليومية تبقى دائما دون جواب.
وبين الخطاب الرسمي الذي يحتفي بثقة المؤسسات المالية الدولية، والتخوفات المتزايدة من اتساع دائرة المديونية، يقف الاقتصاد المغربي أمام اختبار حقيقي يفرض مراجعة عميقة لأولويات التمويل العمومي. فاستمرار الاعتماد على الاقتراض، مهما كانت شروطه ميسرة، لا يمكن أن يشكل بديلاً دائماً عن بناء نموذج اقتصادي قادر على تعبئة موارده الذاتية، بما يضمن تمويل المشاريع الاستراتيجية من دون تعميق أعباء الدين أو التضييق على هوامش القرار المالي للدولة.


