يقدّم الأستاذ الدكتور محمد الصديق معوش كتابه الأكاديمي الموسوم بـ «مصطلح الخيال في الرومانتيكية العربية»، الذي يغوص في أعماق الموروث الشعري الرومانتيكي العربي، ليقدم قراءة نقدية ومصطلحية متفرّدة. ويتطرق هذا المُنجز، الصادر عن دار «فكرة كوم»، إلى جوهر الخيال الذي شكّل نقطة التحول الكبرى في مسار الشعرية العربية الحديثة وأسس للقطيعة مع التقليدية، كما يكشف عن العلاقات والتقاطعات المعرفية لهذا المصطلح وتأثره بالمذاهب الغربية.
في كتابه «مصطلح الخيال في الرومانتيكية العربية»، الصادر عن دار فكرة كوم للنشر والتوزيع بورقلة، يتطرّق الأستاذ الدكتور محمد الصديق معوش إلى جوهر «الخيال»، الذي شكّل نقطة التحول الكبرى في مسار الشعرية العربية الحديثة وأسس للقطيعة مع التقليدية.
ويتجاوز هذا الكتاب، في قرابة 300 صفحة، الدلالات العابرة لمفهوم «الخيال»، ليؤرّخ لموقف حضاري وصراع ثقافي في بدايات القرن الماضي. ومن خلال منهجية وصفية دقيقة، يفكك المؤلف، في هذه الدراسة، الشفرات النقدية لأبرز رواد الرومانتيكية العربية (العقاد، المازني، عبد الرحمن شكري، جبران خليل جبران، وأبو القاسم الشابي)، ويكشف عن العلاقات، والوظائف، والتقاطعات المعرفية لمصطلح «الخيال» وتأثره بالمذاهب الغربية.
وإذا ما أردنا شرح موضوع وسياق هذا الكتاب بشكل أكثر توسّعا وتبسيطا، نقول إنّ مصطلح الخيال في الرومانتيكية العربية يُمثّل نقلة إبستمولوجية جوهرية، إذ تحول من كونه أداة بلاغية ثانوية وظيفتها التزيين والمحاكاة الآلية في الشعر الكلاسيكي، إلى قوة توليدية مركزية وقدرة حلولية صوفية قادرة على إعادة تشكيل الوجود وتجاوز الواقع الحسي (بكلمات أبسط، أصبح الخيال أداة أساسية قادرة على ابتكار أفكار جديدة، وتغيير الطريقة التي نرى بها العالم من حولنا، والذهاب بالوعي إلى ما هو أبعد من الواقع المادي الملموس). فقد تأثر نقاد الرومانتيكية وشعراؤها (كجماعة الديوان وأبولو والمهجر) بالطروحات الغربية لا سيما أفكار «كولريدج» (الذي قسّم الخيال إلى نوعين رئيسيين: أولي وثانوي، وميّز بين الخيال والوهم)، فأعادوا تفعيل الخيال بوصفه مرآة للذات المغتربة، والآلية الفلسفية الأسمى لتحقيق التلاحم العضوي بين الأنا والكون. وبذلك، لم يعد الخيال مجرد «ترصيع» لفظي، بل أصبح جوهر العملية الإبداعية، ومحرك الرؤيا الكشفية التي تبني عوالم مثالية بديلة.
وبالعودة إلى الكتاب، يرى البروفيسور معوش أن ملامح الحداثة الشعرية تتجلى على مستوى الممارسة والتنظير: أما على مستوى التنظير، «فإنّنا نواجه جملة من المفاهيم والتصورات التي تؤطّرها مصطلحات معينة ضمن الجهاز المفاهيمي لتلك الشعرية. ولعلّ البارز واللافت من مصطلحات الشعرية الحديثة ممثلة في الاتجاه الرومانتيكي تحديدا: مصطلح الخيال، ونحن إذ نتعامل مع موروث وفير من تلكم الشعرية نواجه حضورا لافتا أيضا لهذا المصطلح في مناسبات عديدة ومواقف وسياقات متنوعة»، يقول الكاتب، مضيفا: «كما لا يفوتنا علما ما لمصطلح الخيال من رصيد دلالي ومفاهيمي يكشف عن ثراء فيه، بل ومتناقضات، كما أنه يتجاوز الدلالة العابرة لمفهوم ما، في الشعرية العربية الحديثة إلى التأريخ لموقف حضاري وصراع ثقافي يكشف عن مرجعيات وأطر يجدر الوقوف عندها تأملا ودراسة».
وعليه، يسلّط المؤلف الضوء على مجموعة من المحاور، على غرار التطور الدلالي لمصطلح الخيال من الفلاسفة والمتصوفة إلى المحدثين، والتحليل العميق لضمائم مصطلح الخيال وارتباطاته (التخيل، المخيلة، الأخيلة)، وأيضا علاقة الخيال بالحقيقة والعاطفة في النقد العربي الحديث.
وبمعالجته لهذه النقاط، يقدم المؤلف هذه الدراسة النقدية باعتبارها مرجعا هاما للباحثين، والنقاد، وعشاق الأدب، المهتمين بفهم آليات اشتغال القصيدة الرومانتيكية وأبعادها الفلسفية والجمالية.






