إعــادة الحيويــة إلـى الجــدران التي فقــدت شيــئـا مــن بريقهــا
مع انحسار أيام الصيف واقتراب موعد العودة إلى المدارس والعمل، تعرف بيوت سطيف حركة لافتة، وكأنّ العائلات تسابق عقارب الساعة لإنهاء ما تبقى من أشغال قبل أن يطرق الخريف الأبواب. فمن طلاء الجدران إلى غسل الزرابي والستائر، ومن إعادة ترتيب الأثاث إلى إصلاح النوافذ والأسقف، تتحول الأيام الأخيرة من العطلة إلى موسم خاص لتجديد البيوت والاستعداد لفصل الخريف والشتاء.
تختار عائلات سطايفية كثيرة هذه الفترة لإنجاز الأشغال المنزلية، مستفيدة من العطلة الصيفية واعتدال الطقس ووجود أفراد الأسرة في المنزل. فالأبناء يشاركون في ترتيب الغرف ونقل بعض الأغراض، فيما يستغل العاملون عطلتهم السنوية للمساهمة في التنظيف والطلاء والصيانة، قبل أن يعود كل واحد إلى برنامجه اليومي مع الدخول المدرسي والاجتماعي.
وتعد عملية طلاء الجدران من أبرز الأشغال التي تحرص عليها العائلات، خاصة بعد مرور أشهر طويلة على آخر عملية تجديد. وتشمل العملية الغرف والممرات والأسقف، إلى جانب معالجة بعض التشققات وإعادة طلاء الأبواب والنوافذ. وتفضّل بعض الأسر الاستعانة بالمهنيين، بينما يتولى آخرون المهمة بمساعدة أفراد العائلة.
ولا يكون الطلاء دائما بهدف تغيير اللون، بل يمثل بالنسبة للكثير من الأسر فرصة لتغيير أجواء المنزل وإضفاء لمسة جديدة عليه، وإعادة الحيوية إلى الجدران التي فقدت شيئا من بريقها بفعل مرور الوقت. وبين حركة الأثاث ورائحة الدهان، تتغير ملامح الغرف تدريجيا، وكأن البيت يستعد بدوره لاستقبال موسم جديد.
وبالتوازي مع الطلاء، تستغل العائلات هذه الفترة لتفقد بعض أجزاء المنزل تحسبا للأمطار والبرد، فتتم معاينة الأسقف والجدران والنوافذ والأبواب، ومعالجة التشققات وإصلاح النقائص التي يمكن أن تتسبب في تسرب المياه أو ارتفاع الرطوبة. ويكتسي هذا الأمر أهمية خاصة في سطيف، حيث تنخفض درجات الحرارة بشكل ملحوظ خلال فصل الشتاء.
أما الزرابي والستائر والأغطية، فلها نصيبها من هذا الاستعداد الموسمي، إذ تخرج إلى الهواء الطلق، فتغسل وتهوى وتعرض لأشعة الشمس، قبل إعادتها إلى أماكنها أو تخزين ما لا يحتاج إليه خلال الفترة المقبلة. كما تشمل حملة التنظيف النوافذ والخزائن والمطابخ والغرف، إلى جانب إعادة ترتيب الأثاث والتخلص من بعض الأغراض التي لم تعد العائلة بحاجة إليها.
وتتحوّل هذه العملية في بعض البيوت إلى نشاط جماعي يشارك فيه مختلف أفراد الأسرة، خصوصا عندما يتعلق الأمر برفع الزرابي الثقيلة أو تحريك الخزائن وقطع الأثاث. وفي بعض الأحياء، تمتد روح التعاون إلى الجيران، فيتبادل هؤلاء الأدوات أو يقدمون المساعدة لبعضهم البعض، خاصة لدى العائلات الكبيرة وكبار السن.
وتنعكس هذه الحركة على النشاط التجاري في المدينة، حيث تعرف محلات بيع الدهانات ومواد البناء ومواد التنظيف والأدوات المنزلية إقبالا من المواطنين الراغبين في إنهاء أشغالهم قبل دخول الخريف. كما يستفيد الحرفيون وأصحاب المهن المرتبطة بالطلاء والصيانة من ارتفاع الطلب على خدماتهم، بينما يجد بعض الشباب في هذه الأشغال الموسمية فرصة للحصول على مداخيل إضافية.
وبالنسبة للعائلات السطايفية، فإنّ تجديد البيت لا يرتبط فقط بالرغبة في تغيير مظهره، بل يتصل أيضا بعادة موسمية متجذرة، كان الهدف منها دائما الاستعداد لموسم البرد قبل وصوله. ومع تغير السنوات وتطور مواد الطلاء ووسائل التنظيف، بقيت الفكرة نفسها حاضرة: منزل نظيف، جدران متجددة، وأغطية جاهزة لأيام الشتاء.
ومع اقتراب نهاية العطلة، تهدأ الحركة تدريجيا داخل البيوت، وتعود قطع الأثاث إلى أماكنها، فيما تستقر الزرابي والستائر والأغطية بعد غسلها وتهويتها. وبين جدران استعادت نضارتها ونوافذ جرى تفقدها، تستعد العائلات السطايفية للخريف.
إنّها أيام تحمل شيئا من خصوصية المدينة وذاكرة بيوتها، حين كانت رائحة الطلاء تملأ المكان وتعلن أن موسم البرد يقترب. وبين ماضٍ كانت فيه عملية تجديد البيت تتم بوسائل بسيطة، وحاضر تتنوع فيه الألوان والمواد والخدمات، يبقى البيت السطايفي في نهاية كل صيف على موعد مع التجديد، وكأن العائلة تقول للخريف بطريقتها الخاصة: «نحن مستعدون».




