«السّترات الصّفراء» تدعو لجولة تصعيد جديدة.. السبت المقبل
الشّارع يرفض التّراجع.. غضب صاعد ينحو إلى الإضراب الشّامل
لم تجد السلطات الفرنسية والبلاد تهتز على وقع اضطرابات اجتماعية غير مسبوقة من مخرج غير اللجوء إلى فرض حظر تجوّل جزئي، مع إبقاء حالة الطوارئ خيارا مطروحا إذا انزلق الوضع الأمني أكثر، خاصة مع ترقب جولة جديدة من المظاهرات يوم السبت القادم.
رغم تعاملها العنيف مع الاحتجاجات، ومع استخدامها المفرط للقوة والقمع فإنّ القوات الأمنية الفرنسية أخفقت في تفادي الانزلاق الخطير الذي شهدته فرنسا والذي فتح أبواب جهنّم عليها، ما جعل السلطات تقرّر اللجوء إلى فرض حظر تجول جزئي في بعض المدن، وإبقاء حالة الطوارئ خيارا مطروحا حتى إعادة الهدوء، وتجاوز هذه المرحل الصعبة التي لم تشهد لها البلاد مثيلا.
ومع تبرير رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو قرار فرض الحظر الجوي بقوله أنه يأتي كبديل لعجز التدابير الأمنية الاعتيادية على استعادة الأمن، فإن شخصيات فرنسية عديدة خاصة من اليسار، حذّرت من أن يتحوّل الحظر إلى وسيلة دائمة للتعامل مع الاحتجاجات على حساب حرية التنقل والتظاهر. وطالبت زعيمة حزب «البيئيين»، مارين تونديلييه، الحكومة بتوضيح قراراتها الأمنية وحجم القوات التي نشرتها يوم السبت الماضي، قبل فرض مزيد من القيود.
الرد لا يمكـن أن يكــون أمنيـا
وبدوره، قال عمدة باريس، الاشتراكي إيمانويل غريغوار، في بيان مساء الاثنين، إنّ الحظر «لا يجب أن يصبح جوابا دائما عن الأزمة التي نمرّ بها»، محذّرا من المساس بحرّية التنقل. وأضاف أن «الردّ لا يمكن أن يكون أمنيا فقط»، وأن عودة الهدوء لن تدوم من دون حوار واستجابة للمطالب الاجتماعية، ولا سيما تلك التي يرفعها الشباب. ودعا الحكومة إلى «تقديم إجابات سياسية على حراك يطرح أسئلة هي في العمق سياسية».
تشديـد الملاحقاـــــــت
وبالتوازي، أعلن وزير العدل، جيرالد دارمانان، أنّ عدد المحتجين الذين وُضعوا قيد الاحتجاز لدى الشرطة بلغ 2513 شخصا، وأن 67 شخصا أودعوا السجن. وقال إنه وجّه تعليمات إلى النيابات العامة في الأقاليم الفرنسية باعتماد توصيف «الجريمة المنظّمة» في ملاحقة المتورطين بأعمال العنف والنهب، بما يتيح تمديد الاحتجاز من 48 إلى 72 ساعة. وكانت الحكومة قد أعلنت تكليف نحو 200 محقق في شرطة باريس وحدها بتحديد وملاحقة المتورطين في أعمال التخريب والنهب.
وأعلنت تنسيقية من حراك «السترات الصفراء»، تدير الموقع الإلكتروني الذي دعا إلى احتجاجات السبت الماضي، تنظيم «جولة ثانية» من التظاهرات يوم السبت المقبل. وقال الناشط المسؤول عن الموقع: «إن كثرة المطالبين بالاحتجاج مجددا دفعت المنظّمين إلى الدعوة للتظاهر السبت المقبل، بعدما كانوا يعتزمون الانتظار والاكتفاء بالتحضير للتحرّك النقابي المقرر في الخامس من نوفمبر المقبل.» وأوضح أن التعبئة ستتواصل على مراحل: أولها حراك السبت المقبل، 24 أكتوبر. ثم السبت الذي يليه. وصولا إلى التحرك النقابي في 5 نوفمبر الذي يشمل أيضا دعوة إلى الإضراب في القطاعين العام والخاص.
الداخلية تتوعّــد
هذا، وبعد انتقادات حادّة لطريقة إدارة الشرطة احتجاجات السبت، ولمسؤوليته عن إخفاقها في منع العنف والنهب، تعهّد وزير الداخلية لوران نونييز، بتعزيز القوات لضبط تظاهرات السبت المقبل، قائلا: «سننشر قوة كبيرة جدا من الشرطة، وستكون على أي حال أكبر عددا ممّا كانت عليه السبت الماضي». وأضاف أن الشرطة ستتحرك بسرعة أكبر بين المواقع التي قد تشهد أعمال تخريب، بعدما وجدت نفسها السبت الماضي أمام مجموعات تتحرّك بسرعة فائقة في أماكن عدة في الوقت نفسه.
جـــذور الأزمــة أعمــق
في السياق، يحاول الخبراء والمراقبون السياسيون البحث عن الأسباب التي تدفع فرنسا نحو هذا المنزلق الخطير، ويخالفون تشخيص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي حمّل الهجرة مسؤولية الاحتجاجات وأعمال العنف التي شهدتها فرنسا، داعيا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والدول الأوروبية إلى إغلاق الحدود وتشديد القيود على المهاجرين، مطلقا تصريحات قال فيها إن «باريس ستصبح مدينة مسلمة قريبا».
ويجزم جلّ المراقبين بأن المشهد الظاهر في فرنسا ليس مجرد تحركات مطلبية مرتبطة بظروف الدراسة أو غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العمومية، وإنما انعكاس لأزمة اجتماعية وسياسية أعمق، تتداخل فيها التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية مع إشكاليات الاندماج والتمييز والمهني، وتصاعد الاستقطاب حول الهجرة والإسلام والهوية الوطنية.
فاحتجاجات التلاميذ ـ كما يضيفون ـ وجدت الأرضية معبدة لتتطور وتتضخم وتستخرج من الرفوف اختلالات اجتماعية أعمق مرتبطة بإدارة المجتمع وحقوق الأقليات التي تواجه البطالة والهشاشة الاقتصادية ومحدودية فرص الارتقاء الاجتماعي، وسرعان ما قابلتها السلطات بالقوة والعنف لتتطور إلى مواجهات مع قوات الأمن وعمليات تخريب وإحراق ونهب.



