تطور في البنية التحتية وحركية تجارية الكترونية متزايدة
الرقابة الإيجابية لضمان حماية المستهلك وتحفيز الاستثمار
توسيع الرقمنة وتحسين الخدمات مساران متكاملان
يرى الدكتور فرحات مهدي، أستاذ محاضر بجامعة وهران 1 «أحمد بن بلة»، أن مسار التحول الرقمي في الجزائر تجاوز مرحلة التجارب الاستكشافية، وأصبح واقعا ملموسا يستند إلى بنية تحتية متطورة وطاقات شبانية مبدعة، غير أن استدامة هذه الديناميكية ونجاحها في دفع عجلة التنمية الوطنية، يرتبط بمواصلة التحيين القانوني، وتعميق الشمول المالي الرقمي، وتكامل الجهود بين رواد الأعمال والهيئات الرسمية لبناء اقتصاد رقمي متماسك وآمن.
في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة التي أعادت تشكيل المشهد الاقتصادي والاجتماعي عبر العالم، تعيش الجزائر مرحلة انتقالية مهمة في مسار التحول الرقمي، تنقلها تدريجيا من المبادرات التقنية الفردية إلى إستراتيجية واعدة للتحول الرقمي، هذا الواقع الجديد لم يعد حسب الأستاذ فرحات مهدي، «مجرد خيار ثانوي أو رفاهية تقنية، بل أضحى حتمية فرضت نفسها على مختلف القطاعات الحيوية، دافعة برواد الأعمال والشباب نحو إعادة رسم ملامح الاستثمار والتشغيل في البلاد.
وقال فرحات في تصريح لـ «الشعب» أن «قراءة المشهد الوطني ومقارنته بما كان عليه الحال قبل عقد ونصف، يبرز فارقا جوهريا في طبيعة المبادرات؛ حيث كانت البدايات محصورة في تجارب فردية محدودة الإمكانات بسبب بطء شبكات الإنترنت واقتصارها على فئات محددة… أما اليوم، تشهد السوق المحلية حركية غير مسبوقة بفضل الانتشار الواسع للألياف البصرية وتعميم تدفق الإنترنت عالي السرعة، مما شكل القاعدة الأساسية لانطلاق جيل جديد من المؤسسات الناشئة (Start-ups) وشركات الخدمات الرقمية.»
كما أشار المتحدث إلى القفزة النوعية في مناخ الأعمال الرقمي والنضج التدريجي في التجارة الإلكترونية، الذي رافق هذا التطور حيث تحول الأمر من مجرد عمليات تسوق عابرة إلى قطاع متكامل يعتمد على حزمة عوامل مكملة، أبرزها تطور آليات الدفع الإلكتروني، والانتشار الواسع لشبكات التوصيل السريع واللوجستيك التي باتت تربط مختلف الولايات بسلاسة، ما أتاح للمتعاملين بيئة عمل أكثر فاعلية واستدامة.»
الفضاء الإلكتروني.. ملاذ الشباب ومحرك التشغيل
لم تعد ريادة الأعمال الرقمية -حسبه- «مجرد استثمار تجاري بحت، بل باتت تقدم نفسها كإحدى أهم الإجابات الواقعية لإشكالية تشبع سوق العمل التقليدية. فأمام التحديات التي يواجهها القطاعان العام والخاص في استيعاب التدفق المتواصل لخريجي الجامعات، كسر رواد الأعمال الشباب الصورة النمطية لانتظار التوظيف في قطاعات الطاقة أو الإدارات العمومية، وتوجهوا مباشرة لخوض غمار «الأعمال الرقمية»، مستفيدين من قدرة هذا المجال على خلق الثروة وفتح مناصب شغل جديدة باستثمارات مرنة تعتمد على المهارة والابتكار.
الترسانة القانونية «رقابة إيجابية» تحمي وتدعم
وقد فرض هذا الاتساع المتلاحق للنشاط الرقمي على الدولة الجزائرية -يضيف فرحات- «ضرورة الانتقال إلى مرحلة التأطير القانوني الصارم والمواكب، ولم تعد الغاية من التشريعات وضع عراقيل إدارية أو كبح المبادرات، بل إرساء ما يمكن وصفه بـ «الرقابة الإيجابية».
وأشار المتحدث إلى أن» الهدف من هذا المسار التشريعي هو توفير غطاء أمني وقانوني متكامل يحمي حقوق المستهلك من جهة، ويحصّن أصحاب المشاريع الرقمية من مخاطر النصب والاحتيال من جهة ثانية، كما نبه في هذا السياق، أن «هذه المرحلة تتطلب إشراك الخبراء التقنيين إلى جانب المشرعين وصناع القرار، لا سيما مع تعقد التعاملات الحديثة وتمددها نحو العملات الرقمية والشبكات العابرة للحدود، بما يضمن بناء نصوص قانونية ديناميكية وقادرة على استيعاب سرعة التحولات التقنية».
الربط بين الخدمات تحسين لجودتها
وفي إجابته على سؤال حول إذا ما كان رقمنة المزيد من الخدمات تحسن الخدمات القائمة وتجعلها مترابطة، قال المتحدث «أن المقاربتين لا تنفي إحداهما الأخرى، فلسنا مضطرين للاختيار بينهما، بل ينبغي الجمع بين المسارين بالتوازي توسيع نطاق الرقمنة لتشمل مختلف المجالات والخدمات من جهة، والعمل بالتزامن مع ذلك على تحسين جودة الخدمات الحالية وضمان ترابطها وتكاملها من جهة أخرى».
ويرى فرحات أن الإشكال الحقيقي الذي واجه تجسيد هذا المسار يكمن في صعوبات ترتبط بتدريب وتأهيل العنصر البشري، لاسيما لدى موظفي القطاع العام والجماعات المحلية وحتى المؤسسات الصناعية، فمهما جلبت يضيف المتحدث «أحدث المنظومات الرقمية والمعدات، فإن غياب التأهيل الكافي للتعامل معها بفاعلية وكفاءة يحول دون تحقيق المرجو، فتأتي المخرجات متواضعة مقارنة بحجم الجهد والاستثمار».
تطور نحو الأفضل
وأشار أستاذ الإعلام والاتصال إلى أن هذا الأمر ظهر بوضوح في المراحل الأولى للتحول الرقمي في الجزائر، حيث كان الإجراء يجرى ورقيا في قرابة ربع ساعة، ثم ظل يستغرق المدة ذاتها بعد إدخال أجهزة الحاسوب، ما كشف عن خلل في البداية.
وأردف قائلا: الوضع تغير تدريجيا وبشكل ملموس، إذ صار بإمكان المواطن استخراج وثائق مثل شهادة الميلاد عن بُعد عبر البوابة الرسمية والمواقع التابعة لوزارة الداخلية، وهو مسار يشهد توسعا مستمرا شمل حزمة واسعة من الوثائق الرقمية، ما أسهم بوضوح في تخفيف الضغط والعبء عن مصالح البلديات.
كما برز التطور ذاته في مجالات المصادقة والتوثيق، التي كانت تتطلب -حسب المتحدث- سابقا استخراج الوثيقة ثم إعادة طباعتها، في حين يجري التوجه اليوم نحو المصادقة الرقمية والتوثيق الإلكتروني للشهادات، وهو ما يطبق على سبيل المثال في قطاع التعليم العالي والجامعات لتوثيق الشهادات الجامعية.
وأكد فرحات أن الدرس الأساسي المستفاد هو أن التحدي الأكبر كان يتمحور في بداياته حول مسألة التدريب، أما اليوم، فهناك استراتيجيات وخطط لتكوين الموظفين على استخدام البرمجيات والأنظمة الحديثة، يرافقها وعي متزايد لدى العامل بحتمية تطوير مهاراته ومواكبة هذه البرامج، إدراكا بأن المستقبل رقمي بالكامل، وهو أمر لم يعد يحتمل التردد أو النقاش.




