الحوسبة السحابية والأمن السيبراني… مقومات العصر الرقمي الجديد
تعزيز الأمن السيبراني والتقليل من الاعتماد على البنى الأجنبية
شبكــة «IRIES» المؤمنــــة..عمــــود فقـري لربـط المؤسســات والقطاعـات الوزاريـة
أكد الخبير في الرقمنة والأستاذ المحاضر بالمدرسة الوطنية العليا للمناجمنت حسان درار، أن الجزائر تشهد تحولا استراتيجيا في إدارة وتأمين بنيتها التحتية الرقمية، وهو ما جسّدته في إطلاق السحابة السيادية الوطنية وحصول مراكز البيانات الوطنية على اعترافات دولية مرموقة تؤكد جاهزيتها التقنية العالية، مشيرا إلى بروز شبكة «IRIES» المؤمنة كعمود فقري لربط المؤسسات والقطاعات الوزارية لرفع كفاءة العمل الحكومي المشترك، مؤكدا في حوار مع «الشعب» أنه بامتلاك بلادنا لمقومات العصر الرقمي الجديد ستضمن معالجة واستضافة المعطيات الحكومية داخل التراب الوطني من خلال توطين بياناتها الحكومية الحساسة وفق أعلى معايير الجودة والأمان العالمية، حيث تدار هذه البنية التحتية الرقمية المتطورة بأياد ومؤسسات وطنية.
الشعب: كيف تكرس الحوسبة السحابية استقلالية القرار التقني للبلاد وتنهي مخاطر استضافة المعطيات الحكومية الحساسة خارج الحدود؟.
د. حسان درار: تمثل الحوسبة السحابية السيادية الوطنية، التي أُطلقت عبر المركز الوطني للخدمات الرقمية (مع مركزي بيانات في المحمدية والبليدة)، ركيزة أساسية للسيادة الرقمية الجزائرية. فبدلاً من الاعتماد على مزودي خدمات عالميين قد تخضع بياناتهم لقوانين أجنبية أو لضغوط جيوسياسية، تُستضاف كل المعطيات الحكومية الحساسة (مثل الحالة المدنية والعدالة والضرائب والصحة) داخل التراب الوطني وتحت السيطرة الكاملة للدولة.
هذا يضمن استقلالية القرار التقني. فالدولة تتحكم في البنية التحتية والبرمجيات والأمن المعلوماتي دون الحاجة إلى موافقات خارجية أو مخاطر الولوج للبيانات عبر شبكات أجنبية. كما يتوافق مع القانون 18-07 المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، ويقلل من الاعتماد على البنى الأجنبية، ويعزز الأمن السيبراني من خلال بيئة محلية مؤمنة. في المرحلة الأولى تُخصص الخدمات للقطاعات الحكومية، مع إمكانية التوسع لاحقاً نحو القطاع الخاص والمؤسسات الناشئة.
الاعتماد الدولي «Tier III» يضمن استمرارية الخدمات الحكومية..
حصول مراكز البيانات الوطنية على شهادة Tier III العالمية يعد معيارا لجودة البنية التحتية، ما هي الدلالات التقنية لهذا الاعتراف الدولي من حيث ديمومة الخدمة الأمان وتفادي الانقطاعات الفجائية؟.
حصول مركز البيانات الوطني الأول بالمحمدية في فيفري 2026 والثاني بالبليدة في سبتمبر 2026 على شهادة Tier III Design من معهد Uptime Institute يعد اعترافا دوليا بمستوى النضج التقني والجاهزية المؤسسية.
فتقنيا، يعني تصنيف «Tier III» ديمومة الخدمة بنسبة توافر تصل إلى 99.982%، أي ما يعادل حوالي 1.6 ساعة انقطاع سنويا فقط، وكذا إمكانية الصيانة المتزامنة «Concurrent Maintainability» يمكن إصلاح أو استبدال أي مكون من طاقة، تبريد، شبكات دون إيقاف الخدمات، بفضل مسارات توزيع مزدوجة ومستقلة وأنظمة تبريد وطاقة متكررة، ناهيك عن تقديم مستويات أمان متقدمة ضد الأعطال والعطب المفاجئ، مع بنية تدعم خطط استمرارية الأعمال (BCP) والتعافي من الكوارث (DRP) عبر التشغيل المتوازي بين المركزين، إلى جانب جاهزية عالية للخدمات الحكومية الحيوية دون انقطاعات فجائية تؤثر على الخدمات الموجهة للمواطنين أو النشاطات الإدارات.
«IRIES».. الشريان الرقمي المؤمن لربط المؤسسات والوزارات الجزائرية
تعد شبكة IRIES السيادية الشريان الرابط بين كافة القطاعات الوزارية ومراكز البيانات، كيف يسهم هذا الربط البيني في تسريع تبادل المعطيات ورفع كفاءة العمل الحكومي المشترك؟
شبكة «IRIES» أو الشبكة السيادية المؤمنة الوطنية هي بنية تحتية حصرية لتبادل البيانات خارج شبكة الإنترنت العمومية، في بيئة آمنة عالية الموثوقية، تربط أكثر من 100 قطاع وزاري وهيئة عمومية بمراكز البيانات الوطنية وفق نمط تسيير موحد وإطار تقني متكامل.
ويسهم هذا الربط في تسريع تبادل المعطيات عبر قنوات مخصصة عالية السرعة والتي تتمثل في ألياف بصرية وطنية تقلل التأخير وتضمن التزامن في الوقت الفعلي، ورفع كفاءة العمل الحكومي المشترك من خلال النظام الوطني للتشغيل البيني، الذي يعتمد على مراجع تصنيف وفهرسة البيانات، مع احترام مستويات الحساسية، حيث يسمح ذلك بالتنسيق السلس بين الوزارات مثل الصحة والعدل والداخلية دون تكرار البيانات أو الاعتماد على وسائط غير آمنة.
يضاف إلى ذلك تعزيز الشفافية والسرعة في الخدمات العمومية، ودعم منصات مثل البوابة الرقمية -Dzair Digital Services-، وبهذا تصبح IRIES العمود الفقري الرقمي للدولة، محققة تكاملاً حقيقياً بين القطاعات.
«SOC» و»NOC» .. الدرع الدفاعي لمواجهة التهديدات السيبرانية
مع تعاظم الهجمات السيبرانية عالميا ما هو الدور العملياتي لمركزي SOC وNOC في توفير درع دفاعي يرصد التهديدات الاستباقية ويحمي المنشآت الحيوية للدولة على مدار 24 ساعة؟.
في منظومة البنى التحتية السيادية، يلعب مركزا «SOC مركز عمليات الأمن» و «NOC مركز عمليات الشبكة» دورا عملياتيا حيويا كدرع دفاعي دائم، حيث أن» SOC» يرصد التهديدات السيبرانية استباقيا على مدار الساعة، ويحلل الأحداث الأمنية، ويكشف التسللات أو الهجمات مثل البرمجيات الخبيثة أو محاولات الاختراق، ويستجيب للحوادث فورا، ويعتمد على أنظمة SIEM وأدوات المراقبة المتقدمة، ويقوم بتدقيقات واختبارات اختراق دورية لضمان الامتثال.
أما «NOC» فيشرف على أداء الشبكات والبنى التحتية كالطاقة والتبريد والاتصالات، ويدير الحوادث التقنية، ويضمن استمرارية الخدمات دون انقطاع.
معاً يوفران حماية شاملة للمنشآت الحيوية (مراكز البيانات والوزارات والشبكات السيادية) 24/7، مع قدرة على التنبؤ والرد السريع في ظل تصاعد التهديدات العالمية. هذا يتماشى مع الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني التي تشرف على تنفيذها وكالة أمن الأنظمة المعلوماتية.
كيف يمكن تثمين هذه المنظومة التقنية الصلبة لبناء كفاءات وطنية متخصصة في هندسة الشبكات واليقظة المعلوماتية لضمان استدامة هذه البنية التحتية بأياد جزائرية؟.
لتثمين هذه المنظومة وضمان استدامتها بأيدٍ جزائرية، يجب التركيز على الاستثمار البشري عن طريق توسيع برامج التكوين المتخصص في المدرسة الوطنية العليا للأمن السيبراني (سيدي عبد الله) والمعاهد التقنية، مع التركيز على هندسة الشبكات وإدارة مراكز البيانات وتحليل SOC/NOC، أو شراكات عملية مع الجامعات والمؤسسات على غرار التعاون مع شركة هواوي في التكوين المهني المعتمد في السحابة والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي لتدريب مهندسين جزائريين على التشغيل والصيانة والتطوير.
إلى جانب إنشاء مسارات مهنية واضحة بالاعتماد على محللو SOC، مهندسو أمن السحابة، متخصصو اليقظة المعلوماتية، ومشغلو NO، بالإضافة إلى تشجيع البحث والتطوير المحلي والابتكار في الشركات المصغرة والناشئة عبر المنصات السيادية، وإدماج الكفاءات الشابة في تشغيل المراكز، ووضع خطط نقل معرفة مستمرة من الشركاء الدوليين إلى الفرق الوطنية، مع أهداف كمية مثل تدريب عشرات الآلاف من المتخصصين بحلول 2030.
وبهذا تتحول البنية التحتية من مشروع تقني إلى منظومة مستدامة يقودها جزائريون، تعزز الاستقلال التقني طويل الأمد وتدعم الاقتصاد الرقمي الوطني.




