قطار التحول الرقمي..وضع البوصلة وتحديد الأولويات
بوابة واحدة…قطاعات متعددة وخدمة عمومية أكثر كفاءة
نهايـــة فوضـى الـــورق وتقليل التنقل للإدارات والانتظار أمام الشبابيك
قطعت الجزائر أشواطا مهمة في مسار الرقمنة، حيث أطلقت المحافظة السامية للرقمنة في ظرف ثلاث سنوات، سلسلة من المشاريع والهياكل التي تستهدف بناء منظومة رقمية متكاملة، ترتكز على بنية تحتية سيادية، وحوكمة أفضل للبيانات، وتعزيز الأمن السيبراني والخدمات الرقمية الحكومية، تجسيدا لالتزامات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون الرامية إلى تكريس الشفافية، القضاء على البيروقراطية، وبناء اقتصاد عصري يضع المواطن في قلب الاهتمامات.
انطلق قطار التحول الرقمي في الجزائر، بوضع البوصلة وتحديد الأولويات، حيث رسمت المحافظة السامية للرقمنة قبل ثلاث سنوات خريطة طريق واضحة المعالم لكل القطاعات الحكومية، ضمن مسار استراتيجي لم يحول بعض الخدمات والوثائق الورقية إلى صيغ رقمية، بل أعاد تنظيم طريقة عمل الإدارات، وربط مختلف القطاعات، ووضع نظم لحماية البيانات الوطنية، ووفر خدمات عمومية أكثر سرعة وفعالية للمواطن.
وخلال الفترة الممتدة من أفريل 2024 إلى سبتمبر 2026، أطلقت الجزائر عددا من المشاريع والهياكل التي ترمي إلى بناء منظومة رقمية وطنية متكاملة، من أبرزها وضع الإستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي التي تم نشرها في ماي 2025 بعد المصادقة عليها، لتكون بمثابة إطار جامع لمختلف الجهود المتعلقة بالرقمنة، وتوحيد الرؤية بين القطاعات والهيئات العمومية.
البيانات الوطنية داخل الحدود
وتجلت أبرز الإنجازات التقنية في التأسيس الفعلي لـ «السيادة الرقمية»، حيث نجحت الجزائر في إطلاق أول حوسبة سحابية وطنية سيادية، تضع مواردها التخزينية والحسابية تحت تصرف كافة القطاعات والدوائر الوزارية والهيئات الرسمية، بما يسمح بتوفير بيئة رقمية مشتركة تستجيب لحاجيات المؤسسات العمومية.
ولم تتوقف الخطوة عند التخزين، بل تعززت بإنشاء مراكز بيانات وطنية نالت بجدارة شهادة «Tier III» الدولية، وهو اعتراف عالمي بضمان استمرارية الخدمة، توفير الطاقة البديلة، وأعلى درجات الأمان المادي والرقمي.
ولربط هذه الصروح المعلوماتية ببعضها البعض، تم تدشين شبكة IRIES السيادية، التي أنهت عزلة القطاعات وربطت مختلف الوزارات والمؤسسات العمومية في شبكة موحدة وآمنة، تضمن التدفق السلس والسريع للمعلومات وتمنع أي تسريب أو اختراق خارجي.
أمن سيبراني على مدار الساعة
ولم يكن لهذه البنية التحتية أن تصمد دون درع دفاعي محكم، حيث تم إنشاء مركز العمليات للأمن السيبراني (SOC) ومركز العمليات الشبكي (NOC)، لمتابعة أمن ومراقبة البنية التحتية الرقمية الوطنية.
وتعمل هذه المراكز كأبراج مراقبة ذكية على مدار 24 ساعة، ترصد التهديدات السيبرانية، تحلل حركة البيانات، وتتدخل فورا لمعالجة أي خلل فني أو محاولة اختراق، مما يوفر حصانة رقمية متقدمة للبنية التحتية الحيوية للبلاد.ويتابع مركز العمليات للأمن السيبراني التنبيهات والتهديدات ومحاولات الاختراق، ويساعد على اكتشاف الحوادث والاستجابة لها، في حين يركز مركز العمليات الشبكية، على متابعة أداء الشبكات والتجهيزات والاتصالات، ورصد الأعطاب قبل أن تتوسع آثارها.
المواطن في قلب الخدمة
بلغ مسار التحول الرقمي في الجزائر ذروته، في الخامس جويلية 2026، بتدشين رئيس الجمهورية المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية، في موعد رمزي تزامن مع عيدي الاستقلال والشباب للتأكيد على رمزية «الاستقلال التقني».
هذا التوسع الكبير للبوابة الوطنية للخدمات الرقمية Dzair Digital Services، التي اختصرت عشرات الإجراءات الإدارية المعقدة في نقرة زر، منهية معاناة المواطنين مع الطوابير الورقية والملفات المتكررة، وتقليل التنقل إلى الإدارات والانتظار أمام الشبابيك.
وسيكون الرهان خلال المرحلة المقبلة، على الانتقال من مجرد رقمنة، الإجراءات الموجودة إلى إعادة التفكير في الخدمة العمومية نفسها، حتى تصبح أكثر بساطة ووضوحا، وتسمح للمواطن بإتمام معاملاته بأقل عدد ممكن من الخطوات.
حضور دولي فاعل والرهان على الذكاء الاصطناعي
لم تعد الرقمنة منفصلة عن التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح حاضرا في مختلف القطاعات، من الإدارة والصحة والتعليم إلى الصناعة والطاقة والفلاحة.
وفي هذا السياق، عززت الجزائر حضورها في النقاش الدولي حول الذكاء الاصطناعي، من خلال توقيع وزيرة المحافظة السامية للرقمنة، مريم بن مولود، باسم الجزائر، على إنشاء المنظمة العالمية للذكاء الاصطناعي كعضو مؤسس، خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي بالصين.
وتفتح هذه الخطوة المجال أمام الجزائر للمشاركة بشكل أكبر في النقاش الدولي المرتبط بحوكمة الذكاء الاصطناعي، وتبادل الخبرات، ومواكبة التطورات التي يعرفها هذا المجال.
قانون الرقمنة.. استكمال الإطار التشريعي
وبالموازاة مع إطلاق المشاريع التقنية، يجري إعداد قانون الرقمنة، الذي يوجد، حسب معطيات المحافظة السامية للرقمنة في المراحل الأخيرة من الدراسة، ويكتسي هذا القانون أهمية كبيرة لمواكبة التحول الرقمي، خاصة أمام الحاجة إلى تنظيم عدد من المسائل المرتبطة بالبيانات والخدمات الرقمية والتبادل الإلكتروني وأمن الأنظمة والمسؤوليات المرتبطة بها، لأن نجاح الرقمنة لا يحتاج إلى بنية تقنية فقط، وإنما إلى تشريعات واضحة، وكفاءات بشرية مؤهلة، وتنسيق مستمر بين مختلف القطاعات.



