احتضن قصر رياس البحر حصن “23”، أول أمس السبت، لقاء ثقافيا خُصص لتقديم كتاب “الأوراس.. أرض الذاكرة ـ 15 سنة في خدمة التراث” للكاتب والباحث عز الدين قرفي، الصادر عن دار الشهاب للنشر. وشكل اللقاء فرصة لاستعراض تجربة ميدانية امتدت لسنوات طويلة في الدفاع عن التراث الثقافي والطبيعي لمنطقة الأوراس، والتعريف بالجهود المبذولة من أجل صون الذاكرة الجماعية وحماية المعالم التاريخية من الاندثار.
قدّم الكاتب خلال هذا اللقاء مؤلّفه الجديد باعتباره ثمرة خمسة عشر عاما من العمل الميداني والمتابعة المستمرة لقضايا التراث، موضحا أن الكتاب لا يقتصر على توثيق مواقع أثرية أو معالم تاريخية، بل يروي أيضا مسارا من الالتزام الشخصي والمهني تجاه منطقة تزخر بمقومات حضارية وثقافية فريدة.
ومن خلال عشر محطات سردية، ينقل المؤلف للقارئ تفاصيل التجارب التي عاشها في الميدان، وما رافقها من تحديات وصعوبات، فضلا عن النجاحات التي تحققت بفضل تضافر جهود الباحثين والفاعلين المحليين.
تناول عز الدين قرفي المكانة الخاصة التي يحتلها ضريح إمدغاسن داخل الكتاب، باعتباره الخيط الناظم لمعظم فصوله. ويُعد هذا المعلم الجنائزي العريق، الذي يعود إلى ما يقارب 2400 سنة، أحد أبرز الشواهد على الحضارة النوميدية في الجزائر.
وأبرز المتحدّث أن إمدغاسن لا يمثل مجرد أثر تاريخي، بل يجسد ذاكرة جماعية ورمزا لهوية ثقافية ظلت صامدة عبر القرون، رغم ما واجهته من إهمال ومخاطر مختلفة.
واستعرض المؤلف جملة من التجارب الميدانية التي وثقها في كتابه، والتي قادته إلى اكتشاف جوانب خفية من التراث الأوراسي، ومن بين هذه التجارب عمليات تسلق الجدران الوعرة لضريح إمدغاسن بغرض دراسة خصائصه المعمارية وتحديد تاريخه، إلى جانب الرحلات العلمية التي نُظمت في مضايق إغزر أملال وغيرها من المواقع الطبيعية والتاريخية، وأكّد أن حماية التراث لا تقتصر على عمليات الجرد والتصنيف، بل تتطلب حضورا دائما في الميدان وتعاونا بين مختلف الفاعلين.
وتحدّث قرفي أيضا عن الدور الذي لعبه سكان المنطقة في الحفاظ على موروثهم الثقافي، مشيرا إلى أن العديد من المبادرات انطلقت من المجتمع المحلي وعلى رأسها جمعية أصدقاء امدغاسن (التي يتمحور دورها حول حماية وتثمين الضريح الملكي النوميدي الشهير امدغاسن الواقع ببلدية بومية بولاية باتنة)، قبل أن تتحول إلى مشاريع أكثر تنظيما.
كما أشار إلى مقاومة بعض المواطنين لمشاريع كانت تهدد مواقع تراثية، وإلى الجهود المبذولة من أجل حماية المخازن التقليدية القديمة والمحافظة على العادات والاحتفالات الشعبية المرتبطة بالهوية الأمازيغية، وفي مقدمتها الاحتفال برأس السنة الأمازيغية “يناير”.
وأبرز الكاتب أن الشخصيات التي ظهرت في صفحات الكتاب تشكّل جزءا أساسيا من الحكاية، إذ يلتقي القارئ بعلماء آثار وباحثين ونشطاء وأطفال وسكان بسطاء تجمعهم الرغبة في حماية إرث الأجداد. وأوضح أن هؤلاء الأشخاص هم من منحوا التراث روحه الحقيقية، لأن الحفاظ على الذاكرة لا يتعلق بالحجارة والمعالم فقط، بل يمتد إلى الإنسان الذي يحمل هذه الذاكرة وينقلها إلى الأجيال اللاحقة.
توقّف المتحدث عند الإشكالات الإدارية والمؤسساتية التي تواجه جهود حماية التراث في الجزائر، معتبرا أن العديد من المكاسب المحققة تبقى بحاجة إلى متابعة مستمرة من أجل ضمان استدامتها. وأشار إلى أن تعقيدات الإجراءات الإدارية وتغير الأولويات من فترة إلى أخرى قد تؤثر في بعض المشاريع، الأمر الذي يجعل اليقظة المجتمعية والوعي الثقافي عنصرين أساسيين في معركة الحفاظ على التراث.
واختُتم اللقاء بالتأكيد على أن كتاب “الأوراس.. أرض الذاكرة” الصادر عن دار شهاب للنشر، والذي يقع في حوالي 242 صفحة، يمثل أكثر من مجرد إصدار توثيقي، فهو دعوة مفتوحة إلى الاهتمام بالتراث الوطني باعتباره جزءا من الهوية الجماعية.
كما يشكّل شهادة حية على سنوات من البحث والعمل الميداني، ورسالة تؤكّد أن حماية الذاكرة ليست مسؤولية المؤسسات وحدها، بل مسؤولية مشتركة تهم كل من يؤمن بأهمية صون تاريخ الجزائر وتراثها للأجيال القادمة.






